Unsupported Screen Size: The viewport size is too small for the theme to render properly.

الكاتب: admin

قصة صديقي الشبيح في سجن صيدنايا

قصة صديقي الشبيح في سجن صيدنايا

بعد النهاية الدامية لأحداث التمرد في سجن صيدنايا في العام 2009 تم نقلي أنا ومجموعة من السجناء إلى السجن الأبيض أو سجن الضباط (وهو البناء الثاني في صيدنايا مخصص لتوقيف الضباط وصف الضباط والعسكر الذين تتم محاكمتهم أمام القضاء العسكري) وبعد حوالي السنة -تحديداً في بداية العام 2010- نُقلتُ إلى مهجع المرفهين حيث التلفزيون والراديو والماء الساخن والفواتير من البقالية والصيدلية.

التقيت هناك بشخص اسمه نضال المغربي مساعد أول في البحرية السورية من قرية بسنديانة التابعة لمدينة جبلة جنوب اللاذقية بـ 25 كيلو متر.

نضال المغربي أو أبو حيدر -كما كان يحب أن ينادى- مدرب كاراتيه نال بطولة الجيش العربي السوري في العام 2003 وشارك في عدة بطولات عسكرية على مستوى آسيا مثل خلالها سوريا في اللعبة المذكورة، كما أنه سباح ماهر كونه ابن بحر كما يقول والسباحة تجري في دمه.

تهمة نضال هي تشكيل عصابة مسلحة، قطع طريق، السطو تحت تهديد السلاح والشروع بالقتل، والقصة كما يرويها بكل بساطة بأنه شارك مع مجموعة من رفاقه بتشليح سيارة تابعة لشركة الأهلية للنقل، كانت تحمل حوالات مالية من مدينة حماة إلى العاصمة دمشق بقيمة 70 مليون ليرة سورية، أي ما يعادل 1.4 مليون دولار حسب سعر الصرف يومها.

أوقف أبو حيدرالسيارة بقوة السلاح، أنزل السائق، وبضربة واحدة على رأسه أفقده الوعي. كان هناك شخصان في السيارة أحدهما مسلح والآخر لاذ بالفرار، لم يرِد أبو حيدر اذيّه المسلح، لكنه قاوم وأشهر المسدس بوجهه هنا “طرش الدم” من رأس أبو حيدر كيف لصعلوك أن يشهر مسدس في وجهه؟، لكنه إنسان ذو قلب طيب، فأطلق النار على ركبة الرجل. لم يريد قتله “ربما كان برقبته عائلة” بحسب تعبير أبو حيدر، أراد أن يسبب له عاهة تلازمه طوال عمره ليعلمه كيف يكون رفع السلاح بوجه الشبيحة.

تشاء الأقدار أن يصل صاحب شركة الأهلية إلى العميد علي مملوك رئيس فرع أمن الدولة (لم يكن قد ترفع يومها وأصبح لواء) يشكي له حاله، ويطلب منه حل القصة وإعادة ما يمكن اعادته من المبلغ المسروق، بالفعل تم إلقاء القبض على جميع من شارك في العملية من الموظف في شركة الأهلية المتواطئ مع العصابة إلى مراقبي الطريق إلى العقيد في البحرية السورية الذي وفر غطاء للعملية بكاملها.

حصة صديقي أبو حيدر من العملية كانت 8 ملايين ليرة سورية، 160 ألف دولار بحسب سعر الصرف في تلك الأيام، لم يقبض منها قرشاً واحداً بحسب الأيمان المغلظة التي كان يحلفها، فالمبلغ تم تقاسمه بين العقيد في البحرية وضابط مقدم في فرع الأمن العسكري في اللاذقية، وفر الحماية الأمنية للعملية، عندما طالب بحقه من المال قالوا له “المعلم سوف يعوضها لك بعملية أخرى”.

صديقي أبو حيدر كان يستنكر سجنه معنا، وكان يقول لإدارة السجن ماذا فعلت حتى تضعوني مع التكفيريين وأعداء الوطن، بل أكثر من ذلك، كان أبو حيدر يستنكر سجنه من الأساس وكان يقول بأنه لم يفعل شيئاً يستحق السجن، ويترحم على القائد الخالد حافظ الأسد “بو باسيل” ويقول بأنه لو كان حياً لما بقيت في السجن دقيقة واحدة، كما أنه كان يتحسر على أيام العميم (كما يسميه) رفعت الأسد فلو كان موجود هو ايضاً، لما كان لهذه الصيصان أن تضع القيد في معصميه.

أبو حيدر مقتنع تماماً أنه على حق، وأن الدولة السورية هي ملك مباح لهم، وبأنهم (الشبيحة) لهم فضل على بشار الأسد شخصياً، فلولا دعمهم له لما تقلّد الحكم في سوريا، لكن عشمهم خاب فيه، فكيف يسمح لنفسه بزجهم في السجون من أجل أشياء تافهة.

اليوم يتزعم أبو حيدر مجموعة من شبيحة الدفاع الوطني في مدينة اللاذقية تشارك مع جيش النظام في العمليات العسكرية القذرة، وبحسب بعض المعلومات فقد شارك في مجزرة البيضة في بانياس.

هذا جزء من عقلية الشبيحة التي رباها حافظ الأسد وأخوه رفعت، والتي تفتك بالسوريين كل يوم.

هذا جزء يسير مما ثار السوريون عليه وهذا ما يدفعون دمهم يومياً في سبيل الخلاص منه وطي صفحته، وبناء مستقبل أفضل لهم ولأطفالهم.

دياب سرية

موقع “السوري الجديد”

 

https://newsyrian.net/ar/content/%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%B5%D8%AF%D9%8A%D9%82%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A8%D9%8A%D8%AD-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D8%AC%D9%86-%D8%B5%D9%8A%D8%AF%D9%86%D8%A7%D9%8A%D8%A7

 

“التوائم السبعة” من تدمر إلى صيدنايا

“التوائم السبعة” من تدمر إلى صيدنايا

“يجب أن تأتوا وتروا.. إنهم سبعة توائم حقيقية متطابقة” هكذا صرخ صديق السجن، وهو يصف أفراد دفعةٍ صغيرة وصلتْ إلى صيدنايا قادمةً من سجن تدمر. يوم أمس، كانوا قد أودعوهم في أحد مهاجع جناحنا لكن من جهة اليسار التي تقع خلفنا، ورغم أن هناك ممراً في نهاية الجناح يصل بين طرفيه، لكن بأوامر السجان كان يمنع علينا الاقتراب منهم تحت طائلة عقوبة الزنزانة الانفرادية، وحتماً كانت لدى الوافدين الجدد ذات التعليمات.

كنّا ستة في مهجع واحد ، وليس هناك غيرنا في الجناح، وكذلك هم. أيامها كان السجن الحديث في مرحلة استقبال الوافدين الذين سيصبحون نزلاءه لسنوات.

من باب الفضول، رحنا نتلصص عليهم وهم يسيرون في “كوريدور” جناحهم. وكلما وصلوا إلى نهايته، كنا نستطيع رؤيتهم وهم يستديرون عائدين لشوط آخر من المشي. كانت رؤيتهم صدمة خالصة لنا، نحن القادمون حديثاً من فرع فلسطين مطلع العام 1988. يومها لم نكن ندرك كم حالفنا الحظ أن سجن صيدنايا قد افتتح منذ فترة قصيرة، فنجونا من عيش لعنة تدمر.

مع اختلاف الأطوال، بدوا فعلاً كالتوائم، وأكثر من ذلك بدوا كتوائم تحرصُ أمُّهم على إلباسهم ثياباً متطابقة أيضاً. كل منهم كان يرتدي بنطالاً وسترة. كانت ألوان الرُقع على الثياب تغلب على اللون الذي كانت عليه في الأصل، وكان من العسير حتى بعد التدقيق، تحديد اللون الغالب لمعرفة اللون الأصل للبنطال أو السترة، فبدت ثيابهم كأنها مُوَحَّدة. ولسبب غير مفهوم كانوا يسيرون حفاة.

بعد عدة أيام، تجرأ أحدهم ونظرَ إلينا بطرف عينه، وسريعاً تابع مشيته مع البقية. مشيتهم كانت غريبة أيضاً، ويمكن وصفها بأنها آلية على نحوٍ ما، كانوا وكأنهم مبرمجون ليسيروا قريبين جداً من بعضهم وبخطوات قصيرة وسريعة، مع مراعاة ألا يصطدم أحدهم بالآخر.

ذهبَتْ عبثاً جميع محاولاتنا لتمييز أحدهم عن الأخر من خلال ملامح الوجه.. كانوا بالنسبة لنا نسخاً متطابقة. لكل منهم وجه شمعي أصفر أو يمكن القول أنه ناصل اللون، مع نتوءٍ لعظام الوجنات تحت عيون غائرة. الشعر محلوق تماماً، وبالكاد من جذوره يمكن التمييز أن ألوانه تختلف من شخص لآخر. أجسادهم كانت ناحلة بشكل مبالغ فيه، وتبدو الألبسة على تلك الأجساد وكأنها إضافات غير ضرورية مرمية على ما يشبه الهياكل العظمية. ذكّرني حالهم بمجاميع “الكومبارس” في مشهد من فيلم كنت شاهدته قبل سنوات عن معسكرات الاعتقال النازية.

بعد نحو ستة أسابيع من وصولهم إلى صيدنايا بدؤوا بالتمايز. كان أول ما استعادوه هو لون البشرة. اثنان منهم كانت بشرتهم بيضاء مع شعر أسود، ثلاثة كانوا سمراً بشعر أسود، واثنان كانوا أميل ليكونوا شقراً. في تلك الفترة كانوا قد بدؤوا بالنظر نحونا، وأحياناً الرد على تلويحاتنا لهم بالسلام بهزّة خفيفة من الرأس مع ابتسامةٍ حييّة. حتى مشيتهم بدت مسترخية عمّا قبل.

كنا مثلهم قادمون جدد، ومثلهم لم يكن لدينا ثياب سوى التي نرتديها، لكن بعد فترةٍ استطاع رفاق لنا (كانوا أقدم بعدة سنوات في السجون وفروع الأمن، ولديهم زيارات) إيصال بعض الثياب إلى جناحنا، فتقاسمناها مع سجناء تدمر السبعة. اقتربنا منهم في المنطقة الخلفية من الجناح ورميناها لتكون قريبة منهم، وكان أن التقطوها. في اليوم التالي رأيناهم وقد تمايزوا أيضاً بثيابهم (الجديدة).

قبل انتقالنا من الجناح بأيام، تجرأ أحدهم ودخل إلى المنطقة الخلفية (التي لا يستطيع عناصر الشرطة رصدها) وتحدث إلينا. أحرجنا بقوةٍ شعور الامتنان الشديد الذي أبداه من أجل تلك القطع المستعملة من الثياب. راح يتحدث عنها وكأنها ثروة اقتصادية غيّرت حياتهم. سريعاً فهمنا منه أنهم قضوا سبع سنوات في سجن تدمر، كانوا خلالها يعاودون (ترقيع) ثيابهم من خرق ثياب بالية كان يتركها لهم الذاهبون إلى الإعدام. يا الله.. كانت تلك الرقع تذكارات من أرواح زملاء قضوا، ويمكن في بعض الحالات تسمية صاحب كل رقعة!! أخبرنا أنهم لم يكونوا في معظم تلك السنوات يحصلون من الطعام إلا على ما يبقيهم (أحياء). حديثُه عن التعذيب اليومي الشديد فسّرَ لنا خوفهم الشديد من ارتكاب أية مخالفة لتعليمات السجّان، وتحفظهم الشديد في كل حركة (فيما بعد، وخلال السنوات التالية في صيدنايا سنسمع الروايات التفصيلية عن الرعب الأسطوري الذي عاشه سجناء تدمر في تلك الحقبة). جميعهم كانوا طلاباً في مراحل متفاوتة، وأياً منهم لم يكن قد بلغ العشرين لحظة اعتقاله. كانت المحكمة الميدانية قد حكمتهم جميعاً بالبراءة منذ سنوات، والأهم أنهم منذ اعتقالهم وحتى تلك اللحظة لم يكونوا يعلمون أي شيء إطلاقاً عن العالم خارج أسوار تدمر.

قبل ذاك اللقاء كان لدينا شيء من الاستياء مما اعتبرناه خوفهم (جبنهم) المبالغ فيه، ولكن بعد سماعنا لتلك القصص السريعة ومعرفتنا أنهم قد عاشوا ما لا طاقة لبشرٍ على احتماله، بدأنا نفهم. وبدأنا نتلمّس كيف شوّهت سنوات الكارثة التدمرية بشراً طبيعيين ، لهم هوياتهم المتمايزة، وحولتهم إلى نماذج توشك أن تكون متطابقة. شكلهم وسلوكهم وردود أفعالهم ومجمل بنيتهم النفسية والعصبية كانت متطابقة. في البداية كنّا نسميهم “التوائم السبعة” أو “الصينيون السبعة”، باعتبار صعوبة تمييز ملامح الوجه غالباً ما ترتبط لدينا بالعرق الآسيوي الأصفر. لكن بعد هذا اللقاء السريع أصبحنا كلما تذكرناهم في أحاديثنا نسميهم “العائدون من الجحيم”.

هل ذكرت قبل قليل أننا اتّهمناهم يومها بالخوف والجبن ؟! يا لعارنا.. عن أيّ جبن يمكن الحديث في حالتهم تلك!! فارقٌ واحدٌ فقط كان يميّز بيننا وبينهم، وهو أننا (نحن المحظوظون) لم نجرِّب تدمر. كان من العار على الكرة الأرضية حدوث هذا في أي مكان داخل غلافها الجوي. في سوريا، كان (ومازال) يحدث هذا. يا لعارنا، يا لعاركم.

مالك داغستاني

موقع تلفزيون سوريا

27 شباط 2018

https://www.syria.tv/content/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A8%D8%B9%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%AF%D9%85%D8%B1-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%B5%D9%8A%D8%AF%D9%86%D8%A7%D9%8A%D8%A7

 

معتقل سابق يكتب تقريراً عن فظائع (السجن الأحمر) في صيدنايا

معتقل سابق يكتب تقريراً عن فظائع (السجن الأحمر) في صيدنايا

معن دهام المحمد الخضر، ضابط مجند يحمل شهادة هندسة نظم حاسوب في المعلوماتية، كما قدم نفسه لـ (أورينت نت) روى في تقرير خاص ينفرد الموقع بنشره، تفاصيل ما أسماه (السجن الأحمر) في معتقل صيدنايا للسجناء السياسيين، والذي قضى فيه عشرة أشهر حيث تم اعتقاله بتاريخ: (13-12- 2011) وكان سبب الاعتقال – كما يقول- التنسيق مع ضباط الجيش للتواصل مع الضباط المنشقين عبر برنامج السكايب، والتحريض على الانشقاق ونشر منشورات تحرض على الجيش. وقد أفرج عنه بتاريخ: (26/10/ 2012) بعد أن شمله العفو الذي أصدره بشار الأسد.

يقول معن دهام الخضر في تقديمه للتقرير:

(التقرير التالي، هو لمكان تغيب فيه كل حقوق البشر أو حتى المخلوقات الأدنى مرتبة منه: المكان الذي يمارس فيه النظام الأسدي، أبشع وأكره أنواع انتهاك النفس السورية وكرامة الشعب السوري بكل أطيافه وفئاته، المكان الذي يفرغ فيه مهووسو النظام الأمني شحناتهم بعيدا عن الإعلام وعن الكذب الذي يحترفه النظام، في ذلك المكان تعرف إن سورية لم يحكمها منذ 40 سنة نظام أو دولة إنما عصابة طائفية).

ويؤكد دهام أن المعلومات التي ينشرها في التقرير:

(أمانة حملني إياها رفاق السجن.. ما زلت اذكر تماما لحظة نودي لي لأخرج ما قاله زميلي “لا تنس يا معن”.. اليوم أقولها لأنني لم أنساكم ليعرف العالم كله ما جرى ويجري)

وفيما يلي نص التقرير كاملاً، مع التنويه أن الموقع ينشره على مسؤولية كاتبه، لأنه لم يتسن لنا التأكد من مصدر مستقل من صحة هذه المعلومات، وهو أمر مفهوم في الحالة السورية التي يصعب فيها الوصول أساساً إلى أي مصدر معلوماتي.

– نص التقرير:

1- السجن:

يسمى بالسجن الأحمر نسبة انه طلي من الخارج باللون الأحمر أو ما يسمى “بالتروليا الحمراء” له شكل شبيه بإشارة المرسيدس، مؤلف من ثلاثة طوابق، كل طابق ثلاث مضلعات، وكل مضلع فيه أربع أجنحة، يحتوي كل جناح على 10 مهاجع.

عدد مهاجع السجن: 360 مهجع، يوجد داخل كل مهجع 20-25 سجين. المهجع له باب حديد كبير له منافذ هوائية من الأعلى والأسفل وفي منتصفه نافذة تسمى “شراقة” وله منافع من السيراميك ومنور يطل على مهجعين أحدهم خلفي والآخر من الطرف الأيمن.

أبواب السجن: لكل مهجع باب، ولكل جناح باب، وباب يفصل بين الجناح والدرج المؤدي إلى الطوابق الأخرى، جدران الطابق الأول من الحديد، بينما الطوابق الأخرى جدرانه عادية.

المنفردات: في السجن طابق على وجه الأرض عبارة عن ساحة حولها منفردات، لها باب وتتسع لثلاثة أشخاص وله منافع، وطابق تحت الأرض فيه أيضا منفردات والأبواب لها فتحة يدخل من خلالها الطعام.

الحمامات: في كل جناح ما يقارب الـ 30 نافذة محصنة بالحديد، تفتح أحيانا وتغلق أحيانا ويدخل من خلالها أشعة الشمس إلى المهاجع . ولكل جناح بنهايته حمامات يبلغ عددها 10-15 حمام فيه ماء ساخن.

محيط السجن: يمتد السجن على مساحة واسعة جدا تتجاوز الـ 20 هكتار، محاطة بسور خارجي ومجموعتين إلى ثلاث من الأسلاك الشائكة، ويقع السجن الأحمر بالجانب الخلفي من السجن، ويعتبر أعلى مكان في السجن، كما أن السجن فيه مجموعة من حقول الألغام والرشاشات الآلية والسواتر الترابية ومراكز الحراسة والإضاءة الليلية.

2- الســـجانون

يشرف على كل جناح سجان متطوع برتبة مساعد أو مساعد أول, ومن 5-8 سجانة برتبة مجند أو عريف مجند, تتراوح أعمارهم بين ال 18 – 22 عاما.

مناطقهم: أغلبية السجانة من منطقة الجزيرة السورية, وبالتحديد من محافظتي دير الزور والرقة، إضافة إلى تواجد مجموعة كبيرة من السجانة العلوية الذين يعتبروا مراقبين للسجانة من الطائفة السنية.

نظامهم: لا يحصل أي من هؤلاء السجانة على أي إجازة إلا ما ندر، ولا يغادرون بناء السجن إلا ما ندر، ولا يوجد تغطية لشبكة الموبايل ضمن السجن، ولا أدري إن كانوا يملكون تلفازا في مسكنهم.

المشرفون عليهم: يشرف على السجانة صف ضباط علوية، منهم صف ضابط الأمن وضابط الأمن وهو برتبة مقدم، ومجموعة من صف الضباط المتطوعين الذين يشرفون بشكل دوري على السجانة.

المناوبات: يناوب السجانة بشكل يومي على كل طابق لمدة يوم كامل، كما أنهم أثناء الدوام الرسمي يتناوبون على حفظ هدوء السجن وانضباطه.

3- السجـــناء

عددهم: قرابة 8000 سجين، موزعين على طوابق السجن الثلاث.

الضباط السجناء: يوجد ما يقارب الـ 2500 ضابط سجين برتب من عميد إلى ملازم مجند, وتشكل رتبة الملازم أول النسبة الأكبر. وبقية السجناء هم من المدنية والعساكر (صف ضباط, مجندين)

أعمارهم: في السجن كافة الأعمار من الـ 13 إلى 65. وتشكل الأعمار من 18 – 26 النسبة الأعظم

مناطقهم: من كافة المناطق السورية، وتشكل محافظتي ادلب وحمص النسبة الأكبر بنسبة تقارب الـ 65%

الطوائف: الغالبية الساحقة من السجناء من الطائفة السنية مع عدد أصابع اليد من الطائفة العلوية والدرزية والاسماعلية.

لباسهم: يحظر على السجناء العسكريين ارتداء اللباس العسكري بالطريقة العادية إنما يفرض عليهم ارتداءها بالمقلوب ويتم مصادرة الأحذية والمعاطف والجوارب.

طعامهم: يتم إدخال الطعام يوميا دفعة واحدة أي الوجبات الثلاث سويا عند الساعة الـ 8:

– الكميات: (2- 3) من الخبز يوميا لكل شخص، الكميات التالية توزع على (20-25) شخص يوميا: وهي (2- 9) معالق رز أو برغل يوميا. بيضة يوميا عدا الأربعاء، قطعة لحمة صغيرة كل يوم ثلاثاء. (30- 50) غرام فروج كل يوم خميس. قطعة فاكهة 3 مرات بالأسبوع، ربع كوب شاي مرتين في الشهر، قطعة بطاطا يوميا، بندورة أو خيار مرتين بالأسبوع. معلقتين حلاوة مرة بالأسبوع، معلقتين مربى مرة بالأسبوع، (5- 10) حبات زيتون 3 مرات بالأسبوع.

– النوعية: لا يحتوي الطعام على أي ذرة ملح، خالي من الدسم, الشاي قليل السكر، الخبز يكون ناشف أو متعفن في بعض الأحيان. الزيتون مر دائما، الفاكهة والخضار جلها متعفنة. الرز نادرا إن يكون مطبوخ جيدا. ويكون الأكل بارد دائما.

– أدوات الأكل: يشتري السجناء ما يسمى بندوة البلاستيك كل ثلاثة أشهر مرة، وفيها صحون بلاستيك، وأكواب بلاستيك وملاعق بلاستيك، ولا تحتوي الندوة على سكاكين أو أي طعام.

– أسلوب الأكل: يدخل السجان الأكل، ولا يقترب أحد منه إلا بإيعاز “باشر توزيع” ويمنع الأكل بشكل جماعي إنما كل سجين على حدا، ويوزع رئيس المهجع الطعام بالمقابل يضع كل سجين وعاءه أمامه دون إن يتحرك.

نومهم: ينام السجناء على 3-4 بطانيات عسكرية أو ما يسمى “حرام موصول” حيث ينام السجناء قرابة الساعة ال 9 بشكل جماعي بعد إيعاز “الكل ع النوم” الذي يعطيه السجان لكل جناح على حدا، ويحظر بعدها الكلام والحركة، ويستيقظ السجناء عند الساعة الـ 6 صباحا. ويتم وضع البطانيات في منتصف المهجع بعد لفها ويتابع السجين يومه دون نوم ودون بطانية.

ما يسمح للسجين: يسمح للسجين بأن يتناول طعامه، وأن يقضي حاجته، وأن يستحم في مهجعه، وأن يتحدث همسا إلى زميله، وان يبقى جالسا غير متكئ أو مستند إلى حائط طوال النهار، إن يحلق شعر رأسه وذقنه بالنمرة صفر وواحد، بعد إن يعطيهم السجان ماكينة الحلاقة.

ما يحظر على السجين مشاهدته:

– النوم دون إيعاز.

– الكلام بصوت مرتفع

– التحرك في المهجع أو ممارسة الرياضة

– الاقتراب من باب المهجع

– النظر إلى السجان أو مشاهدته .

– التحرك أو التنفس عند دخول السجان إلى الجناح.

– إن يطلب أي شيء خدمي له أو يقول ما يحتاج. أو أن يتألم أو يطرق باب الجناح.

– إن يدخل كيس أو أي أداة حادة أو قرآن أو أي قصاصة ورقية أو قلم.

– الصلاة الفردية والجماعية ممنوعة والذكر والدعاء.

– تغيير مكانه والجلوس إلى شخص آخر بالمهجع.

– التدخين ممنوع، الشدة، الشطرنج.

واجبات السجين: يفرض نظام السجن على السجين القيام بالتالي

– أن يدير وجهه إلى الحائط واضعا يديه على عينيه متخذا وضعية جاثيا أو منبطحا حسب رغبة السجان.

– أن يحافظ على هذه الوضعية طالما كان هناك سجان في الجناح أو سمع صوته من قريب أو ادخل الطعام إلى المهجع.

– أن يحني ظهره ويضع عينيه على وجهه أو يضع سترته في رأسه عندما يأخذه السجان للزيارة أو لأي أمر آخر.

– أن لا يقترب من الباب أكثر من 3 أمتار.

– أن يخاطب السجان بلفظ “يا سيدي” وأن لا يناقش السجان أو ينظر إليه أو يرفع رأسه عندما يكلمه، وأن لا يصدر صوت ألم عند تعرضه للعقوبة.

– في الزيارات: لا يجوز للسجين ولا لـ أهله إن يتكلموا إلا بالسؤال عن صحة وسلامة الأهل فقط ويمنع اقتراب السجين من الشبك، أو إن يحرك يديه، أو إن يضع من النقود أكثر من 5000، أو إن يأتي له أهله بطعام أو أدوية أو أداوت نظافة خاصة.

4- نظام العقــوبات والتــعذيب:

أدوات التعذيب: يستخدم السجانة في عقوباتهم عدة أدوات هي كالتالي:

– الكرباج (الدولاب): عبارة عن الإطار الخارجي للسيارة تم قصه وتقويته بحيث أصبح كالسوط.

– العصا: عبارة عن عصا تمديدات صحية مقوية بعصا أخرى بداخلها.

– الكهرباء: شريط كهرباء رأسه رفيع جدا موصول إلى تغذية 220 فولت.

– الطعام والشراب: تتمثل بتخفيض كمية الطعام إلى ربطة خبز واحدة في اليوم للمهجع كاملا، أو قطع الماء أو سكبه على البطانيات أو السجناء.

– النوم: جعل السجناء ينامون في الحمام، أو دون بطانيات.

– الشتائم: لا ينادي السجان السجين إلا بألفاظ نابية تنال أمهات وأخوات وزوجات السجناء، ويستمتع السجانة بوصف السجانة بأقذر وأقبح الأوصاف.

كيفية التعذيب: هناك نوعان للعقوبات جماعية وفردية:

– الجماعية: يتم فيها معاقبة دورية لكل جناح بمعدل مرة بالشهر أو مرتين، وفيها يدخل ما يقارب الـ سجانة إلى الجناح مع الكرابيج ويتم ضرب السجناء وهم في وضعية منبطحا مع رفع الأقدام، بالكرباج والأقدام والعصا على كل أنحاء الجسد أو توجيه لكمات إلى الوجه أو صفعات وضربات.

– الفردية: فيها يتم معاقبة المخالف تم ضبطه من قبل السجان من خلال “الشراقة” أو إن رئيس المهجع أبلغ عنه، ويعاقب إما بضرب اليد على وجهها بالكرباج، أو صفعه وركله ودهسه.

– كما يعاقب المهجع الذي يضبط يتكلم إلى مهجع آخر عبر المنور أو من خلال الباب، بإنزاله جماعيا إلى المنفردات، وفيه يتم ممارسة كل أنواع التعذيب من الضرب إلى الكهرباء.

– يتم الاعتماد كذلك على مخبر من بين السجناء يتم اختياره سرا أثناء ضرب المهجع حتى لا يتم ملاحظته ويسأل عن حال المهجع، وفي المهجع قد يكون هناك أكثر من مخبر بالمهجع.

5- الزيارات:

يسمح للسجين أن يتم زيارته من قبل أهله مرة بالشهر يوم الأحد أو الثلاثاء لمدوسلامتهم. وفيه يتم حلاقة ذقن السجين وشاربه. ورأسه على نمرة الصفر. ويساق محني الرأس ومغمض العينين حتى يصل أهله. ويحرم من الزيارة ويعاقب بالضرب من يتكلم بالزيارة ولو كلمة خارج السؤال عن صحة الأهل وسلامتهم .

 

6- المحاكــمات والأحكام:

المحكمة: يعتبر السجن الأحمر سجن الإيداع الخاص بالمحكمة الميدانية. ويتم التحويل إليه من كافة فروع الأمن وخاصة الفروع: 293 و 291 و 248 و 215 وفرع المنطقة وفرع امن الدولة والأمن السياسي وفرع فلسطين والمخابرات الجوية وسجن عدرا والشرطة العسكرية.

نظام المحكمة الميدانية: فيما يلي وصف لما يسمى بالمحكمة الميدانية

– جلساتها: تعقد جلساتها طوال أيام الأسبوع عدا الجمعة والعطل الرسمية.

– مدة الجلسة: يقابل كل سجين المحكمة لمدة لا تتجاوز الدقيقة الواحدة ويطرح عليه سؤال أو اثنين من التقرير الذي اعترف به في فرع المخابرات ك دليل إدانة.

– المحامي: لا يسمح للسجين بتعيين محامي للدفاع عنه، أو إن يطلب ذلك.

– النطق بالحكم: لا يوجد جلسة نطق بالحكم، ويمنع على السجين معرفة مدة حكمه أو السؤال عن ذلك

– عدد الجلسات: يعرض كل سجين مرة واحدة على المحكمة.

– الاستدعاء للجلسة: يستدعى كل يوم ما يقارب ال 20 سجين، و يعرض السجين على المحكمة بعد 3 – 9 أشهر من توقيفه أو أكثر. دون تحديد آلية واضحة للاستدعاء، حيث تتوضع الأضابير في غرفة سرية ضمن فرع الشرطة العسكرية بالقانون.

– وضعية السجين: يكون مكبل اليدين، ولا تزاح “الطميشة” عن عينه حتى يدخل المحكمة، ويبصم على إفادته دون إن يراه أو يفك تكبيله.

– كادر المحكمة: كاتب المحكمة يدعى “خالد” هيئة المحكمة 3 أشخاص هم لوائين والنائب العسكري الأول “حسين كنجو”. وتعقد جلساتها سراً. في غرفة مساحتها ضيقة.

– الأحكام: تعتبر المحكمة تقرير المتهم الذي اعترف به في فرع المخابرات دليل إدانة، ولا تستدعي شهود ولا تقبل تبرئة، وتأخذ أقصى مدة حكم. وجل الأحكام تتراوح بين الـ 3 إلى 15 سنة.

مجلدات لا تكفي لتصف ما يقدم عليه شبيحة الأسد وعصابته من قهر وتعذيب وذل للسجين في ذلك المكان، أتمنى أن ينصف العالم الم شباب وضباط سوريا وان يغلق هذا السجن للأبد.

التوقيع: صرخة للعالم من أسير سابق.. أنقذوهم.

معن الخضر

أورينت نت

27 تشرين الثاني 2012

http://orient-news.net/ar/news_show/752/0/%D9%85%D8%B9%D8%AA%D9%82%D9%84-%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82-%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%8B-%D8%B9%D9%86-%D9%81%D8%B8%D8%A7%D8%A6%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AC%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%B5%D9%8A%D8%AF%D9%86%D8%A7%D9%8A%D8%A7

 

وصف حفل “العراة الحفاة”.. معتقل سابق في صيدنايا يروي رحلة ابن بطوطة في معتقلات النظام

وصف حفل “العراة الحفاة”.. معتقل سابق في صيدنايا يروي رحلة ابن بطوطة في معتقلات النظام

لا يقطع رتابة الزمن البليد الرجراج داخل الزنزانة المعتمة سوى صوت سعال حاد لأحد المعتقلين ممن أصيبوا بالسل بسبب الرطوبة التي تلتصق بكل شيء في المكان، مشهد استفاق عليه يوما “أبو محمد الشامي” وهو اسم مستعار اختاره معتقل سابق في صيدنايا. وعاش منذ وقت مبكر الواقع المرير الذي يعيشه السوريون بسبب مصادرة المشاركة السياسية من قبل النظام الحاكم لم يجد فرصة للتنفيس عن رفضه لهذا الواقع إلا باللجوء إلى الدين الذي اتضحت من خلاله له أمور كانت خفية عنه سابقاً مثل المخطط الإيراني لتشييع المنطقة.

وكالعادة كان المسجد هو الرابط الذي ربطه بأفراد دعوته، إذ يقول لـ”زمان الوصل”: “كنا 5 أشخاص بداية وبعد أن نفرغ من صلاة الجمعة نذهب لبيت أحدنا ونتبادل الأحاديث والمعلومات الدينية المتعلقة بواقعنا السياسي والاجتماعي والثقافي ونتدارس فيما بيننا السبل التي من خلالها نستطيع صناعة التغيير أو نثر بذوره.

كان أبو محمد الشامي يعمل في مكتبة بلبنان ويتردد إلى سوريا لزيارة أهله وأصدقائه وفي عام 2007 تم اعتقال اثنين من أصدقائه وبعد 6 أشهر أي في عام 2008 قامت أحداث بيروت بين ميليشيا حزب الله و”تيار المستقبل” وتعطل العمل وشعر محدثنا بالخوف -كما يقول- بسبب رؤيته سيارات بلا لوحات و”زجاج فيميه” تعتقل شاباً تحت بيته، فعاد بعدها إلى دمشق بضغط من عائلته.

بعد أسابيع من إقامته في دمشق قام فرع المهام بتوجيه من المقدم “سهيل الحسن” بمراقبة تحركاته واتصالاته وأثناء تواجده في اجتماع عمل داهمت دورية مخابرات جوية المكان واقتادته إلى مطار المزة العسكري.

ويروي محدثنا إن سيارة “مرسيدس ستيشن” لون أحمر برفقة عناصر مسلحين حضرت آنذاك إلى مكان تواجده وطلبوا هويته وعندما تأكدوا أنه الشخص المطلوب وضعوه في السيارة وجلس اثنان على يمينه وشماله ووضعوا قميصاً فوق رأسه.

بعد وصوله إلى فرع المهام في المطار أُدخل أبو محمد إلى ضابط فرع المهام المقدم “سهيل الحسن” الذي صافحه وضغط على يده بشدة قائلاً له “شد حالك وين عزماتك”، وطلب له كوب ماء بارد “مشان الرعبة” فلم يشرب.

أطلع “سهيل الحسن” المعتقل أبا محمد على معلومات من ملفه وصورة قديمة له.

يقول: “تم تحويلي للديوان ومنه إلى سجن فرع التحقيق وكان الوقت متأخراً” ويتابع: “أدخلوني إلى زنزانة انفرادية بقيت فيها 36 ساعة دون أن يحدثني أحد”.

بعد 36 ساعة بدأ الحمام الدموي –كما يؤكد محدثنا- حيث أخرجه عناصر الفرع إلى محقق نقيب يدعى “باسل” مغمض العينين مقيد اليدين، وبدأ يسأله عن المعلومات التي يعرفها وبسبب معرفته أن الأشخاص الذين أورد “سهيل الحسن” معلومات عنهم اعتقلوا أطلع المحقق على ما حدث، ولكن هذا الاعتراف لم يشفع له، فبمجرد عدم الإخبار عما جرى كان تهمة لوحدها (تستر).

منذ اليوم الثاني تحت التعذيب عرف “أبو محمد الشامي” أن من وشى به “نضال المحمد” وهو فلسطيني سوري يُلقب بأبي خليل ويعمل موظف تموين بدرعا وعلى علاقة برؤوس الأفرع الأمنية مثل “عبد الفتاح قدسية” وغيره.

وأشار محدثنا إلى أن مهمة المذكور كانت إنشاء تنظيم وتسليم عناصره للنظام وتمكن -كما يؤكد محدثنا- من اختراق “جند الشام” في مضايا وحماة وسلم ما يقارب 100 شخص من عناصره للنظام.

وبعد خروجه أبلغ “أبو محمد” عن “نضال المحمد” لكتيبة “المعتز بالله” في درعا، لكن بسبب تأمينه للخبز للمناطق التي هو فيها وتعامله مع الجيش الحر، تم رفض التبليغ، ويؤكد محدثنا أنه تواصل مع مسؤول تنسيقية “جيللين” عبر النت، ونقل له المعلومات حول المخبر المذكور فرد عليه أن المحمد لا يصلي الفجر إلا حاضراً ويستحيل أن يكون عميلاً للنظام.

بالعودة إلى يوميات الاعتقال، وعندما شارف التحقيق على الانتهاء قام عناصر الفرع بـ”شبح” الشامي داخل زنزانته لمدة أربعة أيام مطالبين إياه بمزيد من المعلومات، وبعد أسبوعين يئسوا من الحصول على المزيد من المعلومات فتم إيقاف التحقيق معه، وبقي “الشامي” في زنزانته يلملم جراحه ويبدل الجلد الذي تم سلخه –كما يقول.

بعد أسبوع تم نقل المعتقل “الشامي” إلى زنزانة جماعية بقي فيها لمدة شهر تقريباً ثم جرى تحويله إلى فرع “فلسطين”، حيث بقي هناك أربعة أشهر ونصف لم يتعرض خلالها للتعذيب، ومن ثم تم تحويله إلى سرية المداهمة فرع (215)، لأن سجن صيدنايا كان يغلي بالأحداث والعصيان آنذاك، وفي السرية المذكورة أمضى محدثنا 7 أشهر ونصف شاء القدر أن يُصاب خلالها بمرض السل مع عدد من رفاق زنزانته وأوشك على الموت جرّاء هذا المرض لولا عناية الله”.

 

*النهاية في المبنى الأبيض

وأنهى الشامي “رحلة ابن بطوطة” كما يسميها في المبنى الأبيض حرف L بسجن صيدنايا وهناك -كما يروي- أدخل مع رفاقه بحفلة التشريفات المعهودة في صيدنايا حينها حفاة عراة، ولكن تم إيقاف عقوبة الـ500 جلدة بعد أحداث السجن. وبعد 4 أشهر من بقائه في صيدنايا، تم استدعاء الشامي من جديد إلى فرع الجوية في المزة وهناك عاش 6 أشهر أشبه بالجحيم أواخر عام 2009 وبداية 2010، حيث كان يُحشر72 معتقلاً في زنزانة لا تكاد تتسع 15 منهم.

وكان المعتقلون –كما يروي الشامي- يضطرون لخلع ثيابهم ويبقون بالسروال الداخلي من شدة الحر الناتج عن ضيق التنفس، رغم أن الجو كان كانونياً، وعند دخول موسم الربيع في شهر أيار مايو تحديداً مات 4 أشخاص في أسبوع واحد فقط بسبب قلة الأوكسجين وشدة الحر وقلة النوم وعدم الخروج إلى الحمامات إلا كل 24 ساعة وانتشار الأمراض الجلدية والتناسلية، قبل أن يتدخل “جميل الحسن” مدير الإدارة ليفتتح سجناً سرياً في مبنى هيئة الأركان العامة “آمرية الجوية” ليخفف الضغط عن سجن المزة.

بعد فترة من اعتقاله في فرع الجوية بالمزة عاد المعتقل الشامي إلى صيدنايا للعلاج من مرض السل الذي ترك له رئة متكلسة وثلاث جلطات أغلقت جميع الأوردة الرئيسية في قدمه اليسرى.

ولدى عودته ثانية إلى صيدنايا كان أبو محمد الشامي شاهداً على عملية إعدام مجموعة من الأشخاص فيه ابتداء من 22 /4/ 2011. وحينها –كما يقول- اجرت إدارة السجن مراسم إعدام جماعية لأكثر من شخص يومياً في المبنى الأبيض، وكان السجناء الآخرون يميزون هذه الإعدامات من خلال اختفاء الحرس والعسكريين من جميع المحارس وباحات السجن وقدوم سيارة إسعاف واحدة لكل محكوم بالإعدام بالإضافة إلى قدوم عدة سيارات مدنية تقل الأطباء الشرعيين المشرفين على الإعدام، إضافة إلى مدير السجن الذي كان وقتها العميد محفوض (أبو شوارب) وأغلب المعدومين هم ممن حكموا على خلفية أحداث صيدنايا مثل أبو حُذيفة الأردني والقاعود وغيرهم.

خرج أبو محمد الشامي من السجن بعد بداية الثورة إثر إلغاء قانون الطوارئ، وإلغاء محكمة أمن الدولة العليا برئاسة “فايز النوري” الذي يصفه المعتقلون بمصاص الدماء. وكان الإفراج عنه من السجن بسبب عدم إدانته بأي جناية أو جرم يلزم السجن لأجله، ولا زال حتى الآن يعاني من آثار هذه المِحنة التي عاشها ولا يزال يعيشها آلاف من أحرار سوريا.

فارس الرفاعي

زمان الوصل

26 نيسان 2016

https://www.zamanalwsl.net/news/article/70480/

 

“زمان الوصل” تبدأ بكشف الغموض…

“زمان الوصل” تبدأ بكشف الغموض…

صيدنايا من الألف إلى الياء: قصة اغتصاب تبدأ بأملاك المواطن ولا تنتهي بحريته (الحلقة 1)
https://www.zamanalwsl.net/news/article/37148/

سريّة يواصل إعلان خبايا المعتقَل سيء الذكر… أمير إسلامي يفتي بقتل “كفار” سجن صيدنايا (الحلقة 2)
https://www.zamanalwsl.net/news/article/37345/

آذار أيضاً شهر “ثورة الكرامة” في سجن صيدنايا.. أحداث العصيان الأول (الحلقة 3)
https://www.zamanalwsl.net/news/article/37511/

سجن صيدنايا في عصره الذهبي.. ووقوع المعتقلين في فخ “الحرية” (الحلقة 4)
https://www.zamanalwsl.net/news/article/37718/

هكذا عاقب السجناء الضباط على “الدولاب”.. معركة الشهداء: ثورة مسلحة في سجن صيدنايا (الحلقة 5)
https://www.zamanalwsl.net/news/article/37868/

النظام يصفّي جرحى العصيان.. وأطباء مشفى تشرين العسكري يتلذذون بتعذيب معتقلي صيدنايا (الحلقة 6)
https://www.zamanalwsl.net/news/article/38238/

سياسة طلعت محفوض والتحضير لمجزرة سجن صيدنايا (الحلقة 7)
https://www.zamanalwsl.net/news/article/38381/

هكذا برر محفوض مجزرة صيدنايا.. المساجين انتحروا خوفاً من الجيش الذي جاء لإنقاذهم! (الحلقة 8)
https://www.zamanalwsl.net/news/article/38553/

القاضي يسأل: شو يعني حقوق إنسان… معتقلو صيدنايا يتحولون إلى شهود في محكمة أمن الدولة (الحلقة 9)
https://www.zamanalwsl.net/news/article/38733/

الحلقة الأخير من مجزرة “سجن صيدنايا”… قائمة بأسماء المساجين الشهداء والمفقودين والمغيبين
https://www.zamanalwsl.net/news/article/39595/

 

ليلة عيد “صيدنايا”

ليلة عيد “صيدنايا”

في عام 1988 كنا معاقبين في سجن صيدنايا، والعقوبة هناك إن لم تكن في الزنازين، فهي في “الباب الأسود”، والباب الأسود هو الجزء الأمامي من الجناح ب “يمين” في الطابق الثالث، ويضم فقط أربعة مهاجع، تم بعدها بناء جدار ليقطع هذا الجزء عن باقي الجناح، وعن المهاجع الستة المتبقية. والباب الأسود كما يوحي اسمه، مغلق بإحكام بمواجهة أي تواصل مع باقي أجنحة السجن ومخصص للعزل. كنا هناك جورج وأسامة وإبراهيم وياسر وأنا. بعد فترة من عقوبة العزل اختلط علينا الزمن، وأضعنا تاريخ اليوم أو في أي يوم كنّا. في زمن السجن المديد لم يكن هذا مهماً، ولا حتى نادر الحدوث.

في إحدى الليالي قدّرنا مع بعض الحسابات التقريبية، أن يوم الغد هو اليوم الأول من أيام عيد الأضحى. جورج الرومانسي بدأ كعادته بطرح الأسئلة الموجعة: “بمتل هاليوم، شو بيكونوا أهلك عم يعملوا هلق؟”. هذا السؤال البسيط والمرتجل فتح سيلاً من الذكريات لدى رفاق المهجع الخمسة. ذكريات ليالي العيد من الطفولة وحتى يومنا ذاك (طبعاً كنا مازلنا ممنوعين من الزيارة، ولا يوجد أي تواصل مع الأهل) وذهبنا أبعد من ذلك فرُحنا نتخيل ما يمكن أن تكون عائلاتنا تفعله الآن في هذه اللحظة، وفي هذه الليلة بالذات.

كل منّا راح يروي حكايات وطرافات ليلة العيد، خصوصاً في الطفولة حيث كان العيد يعني الكثير. كانت ليلتنا مشحونة بعواطف من النوع الذي يجتاح ويُهتّك الروح، خصوصاً لأناس معزولين عن الحياة وعن العالم الخارجي. ليلتها، كان أكثر ما خطر لي شخصياً طفلتي التي تركتها قبل حوالي السنة وهي بعمر الأربع سنوات. في آخر عيد قبل اعتقالي، قررتُ ومعي زوجتي أن نجعل ابنتنا تتعرّف على العيد، أو حسب تعبيرنا يومها، سنجعلها تكتشف العيد. جهزنا لها قبل فترة مجموعة ألبسةٍ دون أن تراهم، إضافةً لعدد من ألعاب الأطفال، خصوصاً من ذاك النوع الذي يصدر الضجة والصفير، مما يسبب سعادة استثنائية للأطفال عبر إحساسهم بتأثيرهم الصوتي المبالغ فيه على المحيط. أردناها أن تكتشف بشكل لافت أن يوم العيد هو يوم مميز ويتيح بهجة مختلفة. وهذا ما حصل فعلاً عندما فتحت عينيها لتكتشف صباحاً مختلفاً عن أي صباح آخر.

في ليلة الباب الأسود تلك، ورغم رواية الطرافات التي تستدعي بعض الابتسامات، إلا أنها كانت طرافات تُروى كحسرةٍ آفلة وبعيدة المنال، وتفتح في القلب حزناً أعمق أكثر مما تتيح من ابتسامات باهتة. تحدثنا عن ثياب العيد الجديدة وصناعة الحلوى المنزلية، عن العيد واحتفالاته ولم ننسَ “العيديّة” التي كنا نجمعها من الأعمام والأخوال لنصرفها دون حسيب أو رقيب، في استثناءٍ لا يتيحه إلا يوم العيد.

جاء موعد النوم، لكنّني لم أنم. من فراشي تابعت ليلتي، وكأنني أشارك في التجهيز لصباح اليوم التالي، وما يمكن أن أفعلهُ ليكون عيد ابنتي في سنتها الخامسة أحلى، ولم أعرف تماماً متى غفوت.

صباحاً عندما فتح الشرطي الباب ليُدخل الفطور، سأله أحد الأصدقاء: اليوم العيد؟. استغرب الشرطي سؤاله وأجاب: العيد خلص. ما كان لجواب الشرطي في حالة أخرى، أن يشكل صدمة لأناس مثلنا، لا يهتمون كثيراً بِعدِّ أيام السجن الذي يتوقعونه أن يطول لسنوات، ولكن بعد تلك الليلة، أربكني هذا الجواب من الشرطي. اللعنة، كان على أول أيام العيد أن يكون اليوم، ولو من باب المجاملة لهؤلاء الخمسة الذين استُنزِفوا ليلة أمس وهم ينخرطون في “ميلودراما” القحط تلك. نعم، كان على أول أيام العيد أن يكون صباح اليوم، على الأقل لتفادي ذاك الانزياح العاطفيّ الرهيب الذي أحدثه فارق زمن السجن عن زمن الحياة. لكن يومها كان لجدران السجن ولصفيح بابه الأسود رأي آخر.

لشدّة العبث الذي يكتنف السجن السوري عموماً، يطيب للسجناء وبدفعٍ من الحاجة، أن يعيدوا ترتيب مجريات حياتهم، أو على الأقل العديد من تفاصيلها. لم أكن استثناءً، وكثيراً ما أنهكتُ لياليَّ وأنا أفترض عمري مصاغاً قابلاً لإعادة التشكيل بصورة أجمل، وأنا الصائغ الذي سيفعل ذلك. لو أن هذا الخيط المتعرج مرَّ من هنا. أو ربما كان على تلك الانحناءة أن تكون أكثر حنوَّاً. لو أن ذاك كان قوساً بدلاً من تلك الزاوية الحادة المتجهمة. ماذا لو كان هناك نقش وردة فوق تلك المساحة المصمتة. يا الله أما كانت تلك التعديلات ستعطي هذا العقد الذي يفتقد اللمسة المبدعة حركة تبعث شيئاً من الروعة، ولو تواضعت الأحلام، شيئاً من الحياة.

بعد ليلتنا المريرة تلك، مرّت علينا سنوات وأعياد كثيرة، ومع ذلك لم أستفد من قسوة تجربة الاستنزاف الروحي لليلة الباب الأسود. ففي كل ليلة عيدٍ تاليةٍ، كنت أتسلل من فراشي متجاوزاً الجدران وعشرات الأبواب السوداء، لأنهمك في اختيار ملابس العيد الجديدة لابنتي كي يكون عيدها مبهجاً. بعد سنوات وبعد أن غادرت السجن كانت ابنتي قد وصلت للعمر التي تختار ثيابها بنفسها مُضَيّعةً عليَّ أن أنفّذ شيئاً من أحلام ليالي السجن الطويلة تلك.

28/04/2018

مالك داغستاني

https://www.syria.tv/content/%D9%84%D9%8A%D9%84%D8%A9-%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%B5%D9%8A%D8%AF%D9%86%D8%A7%D9%8A%D8%A7

على مقام «الصَبا»، موسيقى سجن صيدنايا

على مقام «الصَبا»، موسيقى سجن صيدنايا

ليس من المألوف أن يغادر أي منّا فراشهُ حين تُفتَح أبواب المهاجع عند السابعة صباحاً، ففي الوقت متسعٌ قبل أن يصل طعام الفطور. اليوم الأخير من شهر كانون الثاني عام 1989 كان يوماً مختلفاً، وأغلبنا لم يلتزم فيه بهذا التقليد. بعد فتح الأبواب، وخروج الرقيب من الجناح، بدأ يتناهى إلى أسماعنا عزف أسعد على العود (في تلك الفترة، كنا قد بدأنا نميز ونعرف عن بعدٍ طُرُقَ عزف معظم الأصدقاء، حتى لو لم نكن نراهم). موسيقى عند السابعة صباحاً؟ ما باله هذا المجنون؟

واحداً تلو الآخر، غادر العديد منّا أماكنهم إلى الممر. كان أسعد شلاش (خريج معهد موسيقي في حلب) قد أخرج عودهُ وكرسيّاً (مجموعة كبيرة من أطباق البيض مضغوطة فوق بعضها ومربوطة بإحكام. تغلّفها قطعة قماش عتيقة من الأعلى. هذا هو تعريف الكرسي في السجن) وجلس مستنداً إلى الجدار في منتصف الممر، ليتفادى أن يسمع الحراس عزفه. دون أن ينظر إلى أي أحد منّا أو يرد على أي من أسئلتنا، تابع عزفه لحنَ أغنية نجاح سلام المعروفة «رقّة حُسنِك وسمارك».

كان في عزف أسعد للّحن شيءٌ جديد، ولا يبعث على البهجة كما هو في الأصل. هكذا، ولسبب ما، حَوَّل أسعد لحناً متعدد المقامات، ويمتاز بكثافة الطرب في مقام «البيات»، إلى لحنٍ خالص الحزن. في نهاية هذه المفاجأة الصباحية غير المألوفة، سيخبرنا أسعد: «أمس مات محمد عبد الكريم» (ملحن الأغنية).

سنعلم بعد سنوات، أنه وبينما كان جناحنا في سجن صيدنايا ينعى أسطورة عزف البزق بهذه الطريقة الخاصة (بعد أيام سيقدم كورس خاص الأغنية في كل المهاجع دون استئذان سكانها)، فإن قلّةً كانوا قد رافقوا جثمانه من مشفى الهلال الأحمر في دمشق إلى مثواه الأخير، بعد أن أمضى آخر سنواته وحيداً ومُهملاً، في غرفة متواضعة وسط حي «عين الكرش»، ليس بعيداً عن محكمة أمن الدولة العليا حيث سنُحاكَم أمامها بعد سنوات. يومها بدا أسعد وكأنه ابن الفقيد الذي يتلقى التعازي بوفاة أحد أهم آبائهِ. سوف يكرر أسعد دائماً: «فقط لو أُتيح لهذا العبقري ظرفٌ أفضل، لكان من أشهر موسيقيي العالم».

عودٌ وموسيقى في السجن؟ بل وأكثر.

في بطن الوحش

واحد من تعريفاتنا المتنوعة للسجن «أنه المكان الأمثل لاهتراء الروح»، ولذا كان من المحتّم علينا ومنذ الأيام الأولى، التفتيش عن آليات المقاومة للحفاظ على تلك الروح.

نعم، حتى في بطن الوحش، والوحش هنا فرع الأمن أو أحد السجون، «تدمر»، «المزّة»، «صيدنايا» أو أي مكان آخر حجزَ فيه نظام الأسد حريّة السوريين. نعم، حتى هناك يمكن اجتراح معجزة خلق فضاء للتنفس رغماً عن السجّان، لو امتلكنا الإرادة. كان يمكن الغناء همساً في فرع فلسطين بين جولتي تحقيق وتعذيب، ويمكن اكتساب المعارف وحفظ أبيات من الشعر في تدمر بين حفلتي إعدام. نعم يمكن ذلك فيما لو أردتَ، وكنتَ منحازاً للحياة. غنينا كل صباح وأجسادنا متورمة في الأيام الصعبة للتحقيق، كما غنينا ونحن في أشد حالات القلق حين تلا السجان أسماءنا للترحيل إلى سجن صيدنايا (لم نكن نعلم لحظتها أن سجن صيدنايا قد افتُتح، وظننا أننا ذاهبون إلى جحيم تدمر). ودائماً غنينا في أشد حالات اليأس وانعدام أي أمل.

أخذَ تجمّعنا في جناحٍ واحدٍ في سجن صيدنايا من الوقت عدة شهور، فالانتقال من فرع فلسطين إلى السجن بعد انتهاء التحقيق وصدور قرار بتوقيفنا لمدة مفتوحة دون محاكمة، جرياً على العادة السورية لنظام الأسد، استغرقَ تقريباً كامل عام 1988 حتى وصل معظمنا إلى هناك.

قبل وصوله إلى صيدنايا، كان أسعد قد عزف على العود في فرع فلسطين. ماذا؟ في فرع فلسطين؟ أجل.

بوساطةٍ ما، استطاعت عائلة ابراهيم وطفة (مهندس مدني) إيصال «طبخة ملوخية» إلى المهجع الثامن في الفرع. كان الطعام محفوظاً في أوانٍ معدنية، وكانت أكبرها بيدين جانبيتين. من صندوق خضار دَخَلَ المهجع، تم خلع واحدة من الأخشاب قبل أن يستعيده السجان. أسعد وبمساعدة من الشاويش اللبناني ماهر (سجين ورئيس المهجع)، الذي كان يحتفظ ببعض الممنوعات الخطيرة (مسماران وقطعة زجاج)، قاما بتحويل تلك الطنجرة إلى عود. سيتم إعداد قطعة الخشب بالمقاس المناسب عبر تشكيلها بواسطة كسرة الزجاج، لتكون الزند الذي تمّ تثبيته بمسمارين على يد الإناء المعدني. خمسة ثقوب في اليد الأخرى للوعاء المعدني، ومثلها على نهاية الزند. سوف تُربَطُ الأوتار الخمسة على خشبة صغيرة، وتمتد من ثقوب اليد لتمرّ في ثقوب الخشبة، وليُربَط كل وتر هناك من الأسفل بعودة ثمرة البرتقال. أعواد البرتقال تلك، وعبر تدويرها، سوف تشد الأوتار بشكل مناسب من أجل «الدوزان». أوتار؟ نعم، الأمر غاية في البساطة، ففي البطانيات والعوازل كانت هناك خيوط ماكينة الخياطة التي ستصلح لأوتار الجواب، أما أوتار القرار فقد تم جدلها من خيوط الجوارب. هكذا، بعد جهد ليس بالقليل صار لدى المهجع الثامن في فرع فلسطين عود. ليلاً وأثناء نوم الرفاق، كان أسعد ومحمد غانم (مهندس ميكانيك) الذي سيتقن العزف فيما بعد، يسهران في حمام المهجع. الأول يمرّنُ أصابعه (تكنيك أصابع) كي لا تيبس في ذاك المكان المعادي، والثاني يبدأ أولى خطواته لتعلم العزف. فيما تم صنع «ناي» من خرطوم بلاستيكي، ليكون لنزلاء المهجع وصلة صباحية موسيقية وغنائية.

رغم أنه لم يكن هناك عود في باقي المهاجع (كان معظم المحشورين فيها خريف 1987 من حزب العمل الشيوعي)، إلّا أنه كثيراً ما كانت تتناهى إلينا أصوات غناء، وبشكل خاص نسائي. سنعلم فيما بعد أن أغلب ما كنّا سمعناه، كانت أغنيات بثينة تنبكجي (مهندسة مدنية)، التي برعت بأداء أغاني فيروز. كانت تغنيها لزوجها نزار مرادني (مهندس مدني) المعتقل في الزنزانة المقابلة. كل هذا كان يحدث في بطن الوحش (قبو فرع فلسطين) في فترات الهدوء القصيرة، وقبل أن يبدأ عناصر الفرع تجوالهم الذي يوزّع الشر في الممر مع بدء الدوام، وبدء التحقيق وجولات جديدة من التعذيب، التعذيب الذي لم يتوقف يوماً.

معهد صيدنايا الموسيقي

في الجناح ألِف يمين طابق ثاني في سجن صيدنايا، وبعد أن تمًّ تجميعنا هناك، نحن معتقلي خريف 1987، كتب أسعد على ورقة علبة السجائر إعلاناً عن البدء بدورة موسيقية لتعليم العزف على العود ومرره على المهاجع. قبل فترة، وكنّا حينها ما نزال في الباب الأسود (الباب الأسود هو أربع مهاجع مقتطعة من الجناح ب يمين طابق ثالث، مغلق بباب مغطى بصفيح أسود، وهو مخصص لعزل المعاقبين من السجناء) قام أسعد بمساعدة عدد من الأصدقاء بصناعة عود مستطيل الشكل من خشب صناديق الخضار، أصعب ما فيه كان صناعة الزند، الذي احتاج إلى قطعة سميكة من الخشب القاسي تمّ انتظارها طويلاً حتى وصلت على زاوية أحد الصناديق.

في جناحنا الجديد سجل العديدون أسماءهم لدورة العود، وتم الاتفاق على أن يقوم أسعد بتدريس كل مجموعة في مهجع إقامتهم. بدأت الدروس، ومعها بدأت ورشات تصنيع الأعواد، ليصبح لدى كل مهجع عود واحد على الأقل. بعد الدرس كان المتدربون يتقاسمون بالدور ساعات النهار، ليقوم كل منهم بالتدرب على العود الخاص بالمهجع.

مع بدء هذه التدريبات، بدأت مأساة الجناح بكامله مع موسيقى العود. فالتدريب على العزف أمر مختلف، ولا يشبه العزف. كان عزف الطلاب (من المؤلم جداً، لي ولباقي قاطني الجناح، تسميته عزفاً في تلك الفترة) يشبه إلى حدٍّ كبير الضجيج المتواتر الذي يثير الأعصاب، وعلى مدار ساعات النهار. لجأ بعضنا هرباً من هذا الجحيم الموسيقي إلى السير في الممر. كان أطرفُ ما حدث أن أحد الأصدقاء من غير الطلاب قد طلب تسجيل اسمه في دور التدريب على العود، وعندما حانت ساعته أخذ العود ووضعه جانباً دون أن يستخدمه، ومع استغراب تصرفه أجاب: هذا دوري وساعتي التي سأستريح خلالها من (طنطناتكم) التي تقتلني.

في تلك الفترة كانت قد بدأت تصلنا بعض الكتب من أجنحة أصدقائنا المعتقلين قبلنا، ولسبب يساريٍّ مفهوم، كان إقبال الرفاق كثيفاً على قراءة كتب المفكر اللبناني اليساري مهدي عامل. هنا أيضاً صار لدينا سلسلة طويلة من أسماء الرفاق في دور الانتظار على قراءة كتبه، ترافق مع خلافات على الأحقية في الدَور (بعد عامين، وبعد البيروسترويكا، سيتحوّل الزحام إلى كتب ميشيل فوكو وغاستون باشلار). منير شعبو (مهندس ميكانيك) سيطلق يومها توصيفهُ الشهير لأزمتنا في الجناح: «اثنان خلقا الفوضى وخرّبا هذا الجناح، أسعد شلاش ومهدي عامل».

حفل التخرّج

مع مرور الأيام، اقتنعَ كثيرٌ من الرفاق طلّاب الموسيقى أنهم تورطوا في شأنٍ لا يمتلكون الموهبة التي تؤهلهم للاستمرار فيه. مع الانسحابات العديدة وتطور عدد قليل من المتدربين، أصبح العيش في الجناح مقبولاً إلى حدٍّ ما. بعد حوالي عام من التدريب، قرر مدير معهدنا الموسيقي إقامة ما يمكن وصفه بحفل التخرج. كان حفلاً استعرض فيه الخريجون مهاراتهم في العزف، سبقها كلمة عن الطلاب الخريجين ألقاها ابراهيم بيرقدار (مهندس بيتروكيميا) باعتباره متفوقاً في الدورة. عُزِفَت العديد من الأغاني والتقاسيم، وحاز الحفل على إعجابنا (نحن الضحايا السابقون للطنطنات).

خلال حفل التخرج وما بعده ستتم الإشارة إلى الطلاب المتميزين، والذين أثبتوا حقاً أنهم كانوا مؤهلين ليصبحوا عازفين مهرة. اثنان على وجه التحديد هما ابراهيم وكريم الحاج حسين بدأت تتبدى في عزفهم روح خاصة، إضافة لإتقان تكنيكات العزف. ابراهيم بيرقدار، وهو مقيم حالياً في مدينة «غازي عنتاب» التركية، ويشارك في العديد من الأنشطة الموسيقية السورية في المدينة ومع الأطفال في مخيمات اللجوء، شَعَرَ في بداية تدريباته بأن حركة أصابعه في العزف ثقيلة، فما كان منه إلا أن ربط (بطاريتين) من القياس الكبير بمطاط على ظاهر كفّه، وراح يتدرب مع هذا الثقل الإضافي. وتابع كريم الحاج حسين بشغف دراسته وعزفه حتى برع فيه. وكذا فعل كسرى الكردي (طالب مدرسة ثانوية) ودهام عبد القادر وموريس وانيس (طالب كلية الاقتصاد).

أما نحن باقي سكّان الجناح، فقد بدأت تتسرب إلينا، أردنا أم لم نُرد، بعض الثقافة الموسيقية، فنقاشات الرفاق الموسيقيين كانت تدور غالباً عما تحوَّلَ إلى همهم الأول. هكذا صرنا نعلمُ، على نحوٍ متفاوت، عن المقامات، النوتة، الصولفيج، الطبقة (الصوتية) والأوكتاف.

طرحةٌ على أكتاف ضيعتنا

هذه الأغنية قصةٌ لوحدها. من كلمات لصديق أسعد وابن بلدته الشاعر عبد السلام حلّوم باللغة المحكية (جاءت أساساً كجزء خاص ضمن قصيدة بالفصحى)، سيعزف لحنها أسعد على مقام «السيكاه» بلحن «الموليّا» الخاصة ببلدته وبلدة صديقه الشاعر، «سراقب» في ريف إدلب. مع الإضافات اللحنية الخاصة، واللوازم الموسيقية المطلوبة التي أعدّها أسعد، غناها كورالٌ من الأصدقاء بعد تدريب دقيق، وبتوزيع خاص للأصوات. كان هذا أول عمل بدا لنا احترافيّاً.

بعد أدائها في أربعينية خضر جبر، سوف ترافقنا هذه الأغنية، متكاملةُ العناصر، في معظم جلسات وسهرات الموسيقى في السجن، خاصة سهرات رأس السنة الشهيرة، ثم ستذهب معنا إلى ما بعد السجن أيضاً:

تعبااان.

تعبان جاي المسا، عجدايلك يغفى

لفّيه حزمة حطب، ما ظن سَبَل يخفى

عطشان بس الأرض تسقيه من كفّا

مجروح ريت الجرح وردات جورية

يا دييييب.

يا ديب صيح بغضب، تصْفَرِّ حنطتنا

والشمس طرحة قصب ع كتاف ضيعتنا

تنور نحنا الحطب، ما تنام جمرتنا

تلهب جدايل نارِ، تحرق ظلم ميّة

وتصيييح.

وتصيح أخت النسر، وتقول جابونو

دبكة ع الميلينِ، قوموا حنّونو

والدمع مانو دمع، هادا ندى عيونو

معليش يا خنجر عدو، شهيد الحرية

رفيقنا خضر جبر (مقدم في الجيش)، المعتقل منذ أكثر من عشر سنوات، كان قد أُطلِقَ سراحه قبل حوالي تسعة شهور بعد التأكد من استفحال مرض السرطان لديه، ليتوفى في مدينته السلمية ربيع عام 1990.

«أبو خالد»

«تم اعتقال أبو خالد». هكذا وصل الخبر إلى الجناح، وأبو خالد رفيق في الحزب (لم أكن أعرفه قبل السجن) اعتُقِلَ في مدينة حمص. كان لديَّ عيبٌ دائم (وما زال)، وهو أني أخلق تصورات عن هيئة الشخص من خلال اسمه. هكذا وبسبب مخزونات ذاكرتي، فمن الطبيعي أن أبو خالد شخص ضخم بملامح قاسية. وعلى الأرجح فإنه طويل بكفّين عريضتين (ما ذنبي؟ كان فرّان حيّنا عندما كنت طفلاً يدعى أبو خالد).

بعد شهور قليلة أحضر عناصر الشرطة شخصاً لا يستطيع المشي بسبب التعذيب، أدخله الأصدقاء حملاً إلى الجناح، وسمعت أحدهم يهمس: «إنه أبو خالد». ككل مرة ورغم شعوري بالصدمة، فإني لن أتوب عن بناء أشكال الآخرين معتمداً على أسمائهم. أبو خالد (اسم حركي) كان حسان عبد الرحمن (طالب كلية الطب في جامعة حلب)، وهو لا يشبه في شيء «أبو خالد» الخاص بي، الذي شكّلته في دماغي، وإن أردتم الحقيقة فهو نسخة معاكسة عنه. حسان تعلّمَ عزف العود منذ طفولته، وتابع تعلّم الموسيقى في معهد حلب للموسيقى أثناء دراسته في كلية الطب. ولأن عديدين كانوا يعرفون موهبته، فقد تم سريعاً صنع عود خاص له. هذه المرة لم يكن العود مستطيلاً، بل بالشكل الطبيعي للعود. تم استخدام قطع من الكرتون القاسي بدلاً من الخشب لصناعة رِيَش قصعة (ظهر) العود، وبعد لصقها بدقة، تمت تقسيتها بواسطة مادة غرائية استخرجت من نقع الخبز والمربى بالماء لعدة أيام. وهكذا بدا صوت العود وكأنه حقيقي، مع صدر خشبي وزند قابل للفك والتركيب لتلافي مصادرته أثناء حملات التفتيش.

«أبو الندى» شيخ الكار

لم يكن أبو الندى واسمه الحقيقي سمير عبده (عمل خاص، أربعيني من القامشلي) يجيد العزف على أية آلة موسيقية، ولكنه كان يملك صوتاً معقولاً، مع قدرة مدهشة على الأداء، ومعرفة غزيرة بالأغاني والموشحات القديمة والمقامات الموسيقية، اكتسبها بمشاركته في بعض الفرق الموسيقية والغنائية، إضافة إلى متابعة شخصية دؤوبة، وخاصة على يد موسيقيين مهمين في مدينة حلب.

أبو الندى لم يستطع الاعتراف بأن هناك من يفوقه علماً بالموسيقى في الجناح (هو محقّ بدرجة ليست بالقليلة). هذا الأمر سيشكل، بتحريض من بعض الأصدقاء (صنّاع الفتن) في جناحنا، مادة دائمة لتغذية التنافس بين أسعد وأبو الندى على حيازة لقب «المعلم». في يوم ما، سيقوم منير شعبو (مهندس ميكانيك، أحد أفضل مهندسي الفتن الطريفة في الجناح) وعلي الحكيم (طالب هندسة مدنية، شريك منير في فتنة الموسيقى) ومعن حيدر الذي يمكن وصفه بأنه كان في مثل هذه المواقف التمثيلية وكيلاً لإبليس في جناحنا. قام هؤلاء بتنظيم مظاهرة في الجناح. سيحملون أبو الندى على الأكتاف بمساعدة بعض المُريدين (كان لكل من أبو الندى وأسعد حزبٌ من المريدين، ساهم هؤلاء الثلاثي بدأب على هندسته وتنميته)، وبينما كانت المظاهرة متوجهة إلى المهجع الرابع حيث أسعد، مع الهتاف بحياة المعلم أبو الندى، فإن معظمنا خرج إلى الممر لاستطلاع ما يجري. أمام باب المهجع سيخرج أسعد رامياً عصا الطاعة، ومعترفاً أن منافسه هو المعلم الأول في الجناح، لتنتهي الفتنة الموسيقية في مهدها، بعد هذا الانتصار الاستثنائي الذي حققه شيخ الكار أبو الندى.

جميع المهتمين بالموسيقى في جناحنا استفادوا من معارف أبو الندى وثقافته الغنائية الأصيلة، وفي فترة لاحقة سوف يُقام حفل موسيقي غنائي خاص للقدود والموشحات، وكان له في تعليم تلك الموشحات للمشاركين الدور الأهم.

«الموسيقي الأعمى» في سجن صيدنايا

بعد سنوات من انقضاء سجننا سوف تروي سميحة نادر زوجة أحد الأصدقاء المعتقلين معنا، أنه بينما كانت مجموعة من النساء من أخوات وأمهات وزوجات المعتقلين ينتظرن على رصيف محكمة أمن الدولة العليا وصولَ سيارة نقل السجناء، فإنهن حَرِصنَ على عدم إصدار أصوات عالية خوفاً من ردة فعل عناصر الشرطة، التي يمكن أن تودي إلى عدم السماح لهن بما كنّا ندعوه «زيارة المحكمة»، إلّا أن امرأة بدأت بالصراخ عند نزول المعتقلين من السيارة، كانت تردد بصوتٍ عالٍ: «يمّه يا تركي، أنا هون… يمّه يا تركي، أنا هون». ستطلب منها الصديقة أن تكفَّ عن الصراخ: «الله يخليكي يا خالة لا تصيحي، هلق ما عاد يخلونا نشوفهن، تركي بيشوفك بدون صياح». وسوف تجيب المرأة: «يا خالة، تركي ما يقدر يشوفني. تركي أعمى».

نعم كما خطر في بالكم، فأنا أستعير هنا عنوان رواية فلاديمير كورولينكو. ولكني لا أنوي الحديث عن روايته، ولا عن بطرس بطلها. فقد كان لدينا في الجناح موسيقيٌ وأعمى، لكنه على عكس بطل كورولينكو، لم يقضِ حياةً رغدةً عافَهَا ومضى إلى مصيرٍ سيختاره بنفسه. رغم أن الأمر يحتاج بشدّة هنا إلى بعض الاستطرادات، إلا أنني ولأجل ألّا أفلت كثيراً ملفّ موسيقى السجن، سأحاول الاختصار.

تركي المقداد (خريج قسم الفلسفة. موسيقي، عازف أوكرديون وأورغ)، اعتقلته المخابرات السورية لسماعه جريدة حزبنا السرّية. نعم سماعهِ. فهو لا يرى ليقرأ، ولذا كان هناك من قرأ له الجريدة، ووصلَ الخبر عبر تقرير من مخبرٍ ما، إلى أحد فروع الأمن بما يفيد أن تركي واحدٌ من أعداء الوطن. بهذا المعنى، ولمعرفتهم برأيهِ (فقط رأيه) بنظام الأسد، اعتُبِرَ تركي معارضاً يجب سجنه وتحويله فيما بعد إلى محكمة أمن الدولة العليا.

الصولفيج وعلامة «سي» الموسيقية

كان تركي المقداد قد تعلّم وحفظ أصول الصولفيج في معهد تعليم المكفوفين بدمشق، وكغيره من المكفوفين فإن أذنه كانت مرهفة. المهتمون في الجناح سيطالبون تركي بأن يعلمهم الصولفيج. كحالنا في بداية دورات تعليم العود، بَدَت دورة «الصولفيج» لغير المشتركين بها تعذيباً حقيقياً. أحد الأصدقاء سيطلب من تركي: «أبو محمد الله يخلّيك. بعرِف إلغاء الدورة صعب، بس شو رأيك تبطّل تدربهم ع السي، والله انبخشت أدنينا».

كان الطلاب يجتمعون يومياً في ساعة محددة في الفسحة نهاية الجناح، وبعد أن يفترشوا البطانيات على الأرض، كان تركي سيطلب من أسعد أن (يدوزن) عوده على (تون) البيانو. ويبدأ الدرس، ومعه تبدأ حركة نزوح مؤقت لسكان المهاجع القريبة، ليحلّوا ضيوفاً على المهاجع الأبعد. حضر هذه الدورة جميع المهتمين، إضافة لمن أراد تعميق ثقافته الموسيقية.

كان تركي أثناء التدريب الصوتي الجماعي، يتمكن بطريقته من تمييز أصوات المُنَشّزين وينبههم بأسمائهم، ثم يطلب فردياً من كل شخص أن يؤدي العلامات الصوتية. يا للفضيحة، كانت النوتات الموسيقية تتطاير بأخطاء لا تغتفر في البدايات، وسوف يصححها تركي بطريقة لا تخلو من السخرية. عموماً تركي لم يكن يقدم نفسه على أنه الكفيف الذي يحتاج المساعدة. كان مثقفاً وذا بديهة لافتة، بل ولسان سليط أيضاً. وإضافة للصولفيج قام تركي بتدريس الموسيقيين أنواع الإيقاعات، وكان هذا تطوراً لافتاً استفاد منه الموسيقيون في الجناح.

أما نحن الجمهور الضحيّة، فكنا نميّز من مهاجعنا أصوات الأصدقاء يرددون علامات السلم الموسيقي، وفي تلك الفترة بدأت التعليقات العدائية والحاقدة على علامة «سي» الحادَّة في أصوات طلاب الصولفيج.

أصدقاء صيدنايا، هل تذكرون السي بصوت غسان قسيس (مهندس مدني)؟

عود حقيقي و«كمان» أيضاً

بعد فترة من العزف على أعواد لا تشبه الأعواد شكلاً، رغم أن أصواتها مقبولة، خصوصاً بعد أن بدأت مرحلة تهريب أوتار حقيقية بواسطة عناصر الشرطة، تم اتخاذ قرار بصناعة عود بقصعة من الرِيَش الخشبية. ورشةٌ كاملة داومت على العمل لأكثر من شهر. قام جميل أضنه لي (طالب هندسة مدنية) برسم دقيق للرِيَش وانحناءاتها، ولكافة أجزاء العود. نحتاج إلى منشار ومبرد، لا بأس. تم (فكفكة) عدد من علب المربى الفارغة وتسنين أطرافها لتغدو كأسنان المنشار، قطعة أخرى ثقبت بالمسمار مئات الثقوب لتكون المبرد، وقبل استخدامها تمت تقسيتها بإحمائها على النار طويلاً ثم تبريدها بالماء. بعد تثبيتها على قطع من الخشب (مقابض)، صار لدينا أهم أداتين لصناعة العود الجديد.

مشكلة وحيدة واجهت الورشة، وهي أن أطوال قطع الخشب في صناديق الخضار (السحاحير) لا تكفي لطول الريشة. تم التغلب على هذه المشكلة بحفر مكعب كبير من الخشب وتجويفه ليسد هذا النقص في نهاية العود. كان العمل يجري على الرِيَش بانتظار أن يأتي صندوق يحتوي على هذا المكعب، وقد وصل أخيراً. سيتم ترقيق خشب الرِيَش بحفّها بقطع الزجاج وبعض قطع البورسلان المكسورة، وسيرأس أسعد ورشة النجارين التي ضمّت معظم طلابه. كان جمال الكردي (طالب، هندسة عمارة) يأخذ الرِيَش الخشبية (التي باتت بسماكة تتراوح بين 2 و3 مم) والمنقوعة لأيام في الماء ويحنيها وهو يمررها فوق النار، ومن ثم يثبتها فوق القطعة الأمامية التي سيثبت فيها الزند، ومن الجهة الثانية، في القطعة الخشبية المحفورة لتتشكل القصعة شيئاً فشيئاً. سيشهد الجميع لجميل أضنه لي وجمال الكردي ببراعتهما بالتصميم ودقة التركيب، واللصق بمادة الغراء التي كانت تُهرَّب إلى جناحنا. بعد أكثر من شهر من العمل سيعلق كثيرون «ما هذا؟ إنه عود حقيقي كالأعواد التي نراها في محلات بيع الآلات الموسيقية؟». أسعد دشَّن العود الجديد بتقاسيم على مقام «الصبا» الحزين. كان الصبا المقام الأكثر ملاءمةً لأرواحنا في أيام الانتظار الطويلة تلك.

بعد فترة سيصل إلى جناحنا معتقل جديد، علي الصارم (مهندس في مركز البحوث العلمية)، وسيصنع ببراعة وحرفية عالية آلةَ «كمان» لحسان عبد الرحمن الذي كان يجيد العزف على أكثر من آلة. كمان ستبدو أيضاً حقيقية بشكلها وصوتها، ومن الصعوبة (لمن لم يشهدوا مراحل صنعها) التصديق أنها كانت منتجاً محلياً. لم يتم التنازل في صناعتها عن أي تفصيل، فحتى مسند الذقن جرى نحته بشكله الدقيق. شعر القوس والأوتار فقط هي ما تم تهريبه من خارج السجن.

«كمان» في مَنْوَر الحمام

ولا في أي مرحلة من سجننا، خلت حياتنا من شرطيٍ أو رقيبٍ متعاطف. كانوا يقدمون لنا بعض الخدمات البسيطة، والأهم أنهم كانوا يحذروننا مسبقاً لبعض الحالات الطارئة. هكذا وَصَلَنا خبرٌ بأن حملة تفتيش سيتعرض لها جناحنا خلال دقائق. أهم ما كان يجب إخفاؤه في الجناح هو الآلات الموسيقية وأدوات العمل (منشار، مبرد وغيرها) إضافة لبعض أجهزة الراديو (كانت قد بدأت تصلنا تهريباً) وسخانات الماء المُصنّعة محلياً. حسان اعتبرَ أن أثمن ما لدينا هي آلة الكمان التي لم يكن قد مضى سوى أسبوع على صناعتها، ولذا حرصاً عليها قام بربطها بحبل رفيع ودلّاها في منْوَر الحمام، فلن يخطر ببال أي شرطي أن يكون أي شيء هناك، ولن يُرَى الحبل الرفيع المربوط بقضبان نافذة المنور. يومها لم يُصادَر من الجناح أي شيء ذي أهمية، لكن الحارس الذي يتجول على السطح عادة، أطل برأسه ورأى شيئاً ما يتدلى من المهجع السابع (مهجعنا) وقام بالإبلاغ. وسط دهشة وذهول عناصر الشرطة ومدير السجن، خرجت الكمان أمامهم بعد سحبها من المنْوَر. أجل لم نخسر يومها شيئاً مهماً سوى هذه الكمان التي كانت مفخرةً أن تُصنَعَ في السجن، وبأدواتنا البدائية، بعد متابعة استمرت شهور لصورة أي كمان كانت تصل الجناح في الجرائد، وبعد بحث دقيق ومضنٍ عن قياساتها الدقيقة.

عود و«فروة» وشهر زنزانة

لم تكن هناك من فرصة لاقتناص ما يعيد التوازن للروح في السجن إلا واستغليناها حتى آخرها. مساءً كان ابراهيم بيرقدار يعزف على عوده ويرافقه أحد الأصدقاء بالغناء، محتفلين بمناسبة عيد ميلاد ابن أحد زملاء المهجع. كان عودهُ مستطيلاً، لكن أوتاره كانت حقيقية. وخلافاً للعود بأوتارِ خيوط الجوارب، والذي كان صوته ضعيفاً، فإن صوت العود ذي الأوتار الحقيقية كان مسموعاً وقوياً. مساعد الانضباط تسلل إلى الجناح دون صوت، ليفتح باب المهجع ويمسك بإبراهيم متلبساً بالجرم المشهود، إنه يعزف الموسيقى. راقب ابراهيم بحزن وغضب، ولكن باستسلام، عوده وهو يتكسر تحت أقدام المساعد، الذي طلب منه تجهيز نفسه للنزول إلى الزنزانة. اللعنة. في هذا البرد؟ والزنزانة تحت الأرض بثلاث طوابق. كان فيصل الحلاق (موظف، اغتيل برصاصة تلقاها وهو في سيارته نهاية عام 2012، بعد أن قضى أحد عشر عاماً في سجون الأسد) قد أوصى أهله منذ فترة على «فروة» صوفية من السلميّة، وقد وصلته اليوم في الزيارة. ناول فيصل (شديد الحساسية للبرد) فروته إلى ابراهيم كي تُعينه على برد الزنزانة.

قضى ابراهيم ثلاثة وثلاثين يوماً في عقوبته، ويوم عاد، كانت فروة فيصل ممزقة وفي حالة يرثى لها. أحد الأصدقاء سيسأل: «ابراهيم… احكيلنا الحقيقة. انت كنت بالزنزانة ولّا بتمّ الكلب؟». قبل فترة، كان أسعد شلاش قد تعرض لنسخة مطابقة لما جرى مع إبراهيم، تكسيرُ عوده وقضاءُ شهر في الزنزانة.

عيد النيروز وحق تقرير المصير

رفاقنا الكرد قرروا الاحتفال بعيد النيروز. قبل أكثر من ثلاثة شهور من الموعد بدأت الاستعدادات وجرت التنقلات. كل فرد من الفرقة سينتقل من مهجعه، ليجتمع جميع أعضائها في مهجع واحد من أجل التدريبات. وافق يومها رفاق المهجع السادس أن يتشتتوا بعد تقديم المهجع لفرقة الفنون الكردية المُحدثة. في تلك الفترة انطلقت طرفة في الجناح تؤكد أن انتقال رفاقنا إلى مهجع واحد لم يكن من أجل التدريب، وإنما كان في سياق مطالبتهم بحق تقرير المصير للشعب الكردي.

حسين كامل (طالب معهد تجاري) كان عازفاً ماهراً على الطنبور، الآلة الوترية الكردية الشهيرة. أحمد صالح حسن (لقبهُ في السجن كالو) كان يعزف العود، وسوف يرافقهم على الإيقاع (وعاء بلاستيكي كبير) خالد حيدر (طالب طب أسنان، جامعة حلب). قام كمال حمو (طالب رياضيات، جامعة حلب) بمساعدة جوان يوسف (طالب هندسة ميكانيك، جامعة حلب) وسراج كلش (طالب في كلية فارونج للصحافة، روسيا الاتحادية) بتدريب مجموعة من الشباب على الرقص (في العرض سيكونون شباناً وفتيات). صُمِّمَت اللوحة الأهم من ذاكرة المدربين (كانوا شاركوا في القامشلي قبل السجن مع الفرق الكردية المحلية)، ودُمِجت في هذه اللوحة ثلاث دبكات كردية شهيرة: «كفوكي»، «از تازما» و«جوخو». كما تم تقديم عدة رقصات أخرى كانت تنويعات على الرقصات الفولكلورية الكردية المعروفة: «الكرمانجية»، «الباكية»، «شيخاني» ورقصة «هورزي». ومن ابتكار الصديق ابراهيم زورو (معلم مدرسة) قدموا رقصة اخترعها بنفسه كانت ضاحكة وهزلية بحركاتها، مع أغنية كردية فولكلورية هي (لو بِشّو/ قطة جميلة).

مع انفعالات الحفل والعزف، سيعلّق أحد الأصدقاء على شاربي حسين كامل الكثّين حين يندمج في عزف الطنبور: «حسين يعزف جالساً، لكن شاربه يرقص مع الفرقة». وسيروي كمال حمو معاناته مع المتدربين بطرافة، وكيف كان يحرك لهم أرجلهم بيديه بمختلف الاتجاهات كي يتقنوا الحركات أثناء التدريب، وقد أتقنوها حقاً، كما بدا في الحفل.

أقيم الحفل في فسحة نهاية الجناح، وكان مبهراً حقاً ولا يُنسى. جميع أفراد الفرقة يرتدون الزي الكردي التقليدي الرجالي والنسائي مع أغطية الرأس. كان لافتاً للجميع المهارة في أداء الرقصات، وبشكل خاص أبهرَ طالب الصحافة سراج كلش بأدائه الاستثنائي الجمهورَ الكبير الذي اجتمع من الجناحين اليمين واليسار (حينها لم تكن الجدران قد بُنيت بعد لفصل الجناحين). تم تفصيل ملابس الفرقة من أغلفة الفرشات العسكرية، التي ساعد لونها «الخاكي» القريب من الزي الكردي التقليدي على تسهيل المهمة. قام بتفصيل ملابس الفرقة سجين كردي قديم كنا ندعوه أبو حسن عنتر. يومها نفدت الخيطان من الجناح، فاضطروا لاستخدام خيوط النايلون التي سحبوها من أكياس البصل، حقاً كان ما فعلوه جهداً استثنائياً. فيما بعد سيخبرني عضو الفرقة رشاد عبد القادر (اعتقل طالباً في الثانوية) الذي تعلَّمَ عزفَ الطنبور في السجن: «كنت أرى الطنبور قبل السجن أداة موجودة في معظم البيوت الكردية لمرافقة الأغاني، هنا مع المقامات والصولفيج والنوتة والإيقاعات والتدريب سيتحوّل الطنبور بالنسبة لي إلى آلة موسيقية».

الإخوان المسلمون و«محيو» وأهازيج عيد الأم

استمر حفل النيروز إلى ما قبل موعد إغلاق أبواب المهاجع. فجأة بدأت التحذيرات تصل «جاء محيو… جاء محيو»، ومحيو هو اسم (الدلع) لمدير السجن المقدم محي الدين محمد. كان صوت الموسيقى والدبكات قد وصل إلى مكاتب الإدارة. سيبدأ محيو كلامه مع رئيس الجناح بسؤالٍ استنكاري، سيتحول إلى مَثَلٍ ما زال أصدقاء صيدنايا يستخدمونه حتى اليوم: «شو هالأهازيج والمنيـ…ات؟». كان على رئيس الجناح أن يجيبه فوراً أن الشباب يحتفلون بعيد الأم، فمجرد ذكر كلمة نيروز كان على الأغلب سيودي بجميع الرفاق الكرد إلى الزنازين فوراً. صدمةُ الجواب بأن سجناءً دون زيارات يحتفلون بعيد أمهاتً بعيدات خفَّفَت إلى حدٍّ ما من هياج محيو المحاط بالعديد من عناصر الشرطة، ومع ذلك استمرَّ بالهجوم مبرراً أنه حتى من هم خارج السجن لا يحتفلون مثلنا، وسوف يأتيه الجواب الذي جعله ينسحب دون عقوبات على غير العادة، لكن مع توصيات شديدة بعدم إصدار أي صوت: «اللي برا السجن أمهاتهم جنبهم، نحنا هون بلا أمهات».

كان معتقلو الإخوان المسلمين يسكنون الجهة اليمنى من الجناح يومها، وكان هنالك دائماً هذا الفارق بيننا وبينهم حول الحلال والحرام، وبطبيعة الحال الموسيقى هي واحدة من المحرمات. طبعاً كان الأمر متفاوتاً بينهم، فهناك المتشدد كما المعتدل تجاه هذا النوع من المحرمات. حفل النيروز ليَّنَ أفكار معظم جيراننا في الجناح ليتحولوا إلى الاعتدال، فأقبلوا ليشاهدوا الحفل.

بعد أن مضى محيو، وكان حفل النيروز قد انتهى، سوف يغني أبو المؤمل بمرافقة عود حسان عبد الرحمن. كان أبو المؤمل محمد حمدان الصالح (معلم مدرسة)، وهو من مدينة الرقة، يمتلك صوتاً عذباً، إضافة لحفظه التراث الفراتي والغناء العراقي القريب من مدينته. كان ضوء النهار قد بدأ يخفت عندما بدأ أبو المؤمل لمناسبة عيد الأم بأغنية المطرب العراقي سعدون جابر «يا أمي يا أم الوفا». لم يكد صديقنا ينهي المقطع الأول من الأغنية، حتى كانت الدموع تسيل على خدود معظم جمهور الإخوان المسلمين. كانوا شباناً صغاراً، بل وأطفالاً في كثيرٍ من الحالات، عندما غادروا أمهاتهم قبل حوالي العشر سنوات. دون زيارات لا في سجن تدمر، ولا حتى هنا بعد أن تم نقلهم إلى صيدنايا.

«الحجة» والنوتات الخطأ

كثيراً ما كانت تحدث خلافات حول صحة ما يعزفه الرفاق: «أنا متأكد إنو الحجة (الحجة هي أم كلثوم) بتبدأ المقطع التاني بعلامة الدو» سيقول أيمن قاروط (طالب قسم الفلسفة) لحسان عبد الرحمن. وحيث لا مرجع يرجّح قول أحدهما، فالفيصل هو سماع الأغنية من الراديو. في مثل هذه الحالة كان سيبدو وكأن تعميماً داخلياً قد سرى بين الموسيقيين لرصد الأغنية. «افتحوا عإذاعة الكويت يا شباب… افتحوا عإذاعة الكويت»، سيهتف أحدهم ليلاً لباقي الزملاء في المهاجع الأخرى. بعد انتظار شهر أو شهرين، سيستمعون إلى الأغنية ليقرروا بأي علامة موسيقية كانت الحجة تبدأ المقطع الثاني من أغنيتها «يا ظالمني» مثلاً.

كنتُ ما أزال نائماً عندما دخل أيمن إلى مهجعنا وهو يحمل معلومة جديدة، وسيبدأ، بلهجته الدمشقية، الشرح لجاري حسان. أمس كان قد استمع إلى إحدى الأغنيات ليلاً، واكتشف الخطأ في عزفهم لعلامة موسيقية ما في الأغنية. سريعاً سيتناول حسان العود المعلق فوق رأسه على الجدار ويبدأ بعزف المقطع والتجريب فيه، ليقررا معاً في النهاية أن ملاحظة أيمن كانت في محلها، وأنهم كانوا يعزفونها بعلامة خاطئة.

طبعاً أنا سأستيقظ على أصوات نقاشاتهم وعزفهم، محاولاً أن أمثّل دور الحانق. في ذاك الصباح قمت بتهديدهم أنني في يوم ما سأكتب بسخرية عن حركاتهم الصباحية تلك، وها أنا اليوم أنفذ تهديدي بعد أكثر من ربع قرن، ولكن دون سخرية، فقد كان كل ما فعله هؤلاء الأصدقاء عظيماً. أيمن يتابع عزفه اليوم في دمشق. حسان، وهو من الأبرع في جناحنا، انتقلَ إلى فرنسا عام 1998، وهناك كان لفترة مدرساً لمادة العود في معهد «pole sud»، وأقامَ كثيراً من الحفلات في العديد من المدن الأوروبية، مقدِّماً مع موسيقيين غربيين موسيقى مختلطة شرقية وغربية، كما قدَّم في العديد من المراكز الموسيقية الفرنسية محاضرات تعريفية عن العود والموسيقى الشرقية ومقاماتها وإيقاعاتها. ألّفَ وعزفَ (وما زال) كثيراً من المقطوعات الموسيقية، التي توزعت على العديد من الألبومات.

«شو قَولِك فينا نرجع؟»

بعد سنوات من مغادرتي السجن، وقبل وفاته بعدة شهور، ستجمعني لحظة خاصة بالفنان اللبناني عازار حبيب. كان يجلس وحيداً على طاولته في أحد مطاعمٍ مدينة حمص، صامتاً يتناول كأساً من العرق قبل بدء الغناء. ذهبتُ إليه واستأذنته أن أجلسَ لدقيقتين. بسبب ابتسامته اللطيفة، وقبل أن يرحب بي كنتُ قد جلست. عرّفته باسمي ومن أكون، وقدّمتُ لما سأقوله بأن من حقّه الأخلاقي عليّ، وعلى آخرين كُثُر، أن أخبره ما سوف أخبره إياه الآن:

«لم تكن هناك أي سهرة غنائية في أي مهجع من مهاجعنا في صيدنايا ستنتهي دون أن نغني جماعياً، شو قولِك فينا نرجع. كانت أغنيتكَ رفيقة ليالينا الطويلة تلك لسنوات، وكنا نردد في صيدنايا مازحين إنها نشيدنا الوطني». لم تنزل دمعته على خدّه وهو يستمع إلى كلماتي، ولكني أجزم أنها كادت. ودّعتُه ومضيتُ إلى طاولتي. في سهرته تلك، وعندما سيغني تلك الأغنية، سوف يترك مكانه ويأتي ليغنيها مستنداً بيده على الطاولة التي كنتُ أجلسُ إليها، وهو ينظرُ إلي. أحسستُ لحظتها، أن كل أصدقاء صيدنايا كانوا يستمعون سعداء لأغنيتهم.

ما الذي أحاولُ أن أفعلهُ هنا؟ هل أردتُ القول في كتابتي هذه إن حياتنا كانت زاهية إلى هذه الدرجة؟

أبداً. ودون أن أشعر بأني أفقد شيئاً من محاولتي لأكون موضوعياً، يمكنني القول إنها كانت على العكس تماماً. حياة (إن جازت تسميتها كذلك) لا تشبه في مراراتها أي حياة، ومع كل صباح ستحاول أن تقتل فينا شيئاً جديداً. أنا إنما أكتبُ هنا لأوثّقَ آليّاتنا التي تفنّنا في ابتكارها للدفاع عن قلوبنا التي كانت ما تزال نديّة. وأحاولُ قبل كل شيء، تقصّي أثر اللحظات التي كنا نقتطعها من فم ذاك الموت المقيم والمتواصل. أكتب عن فسحة هاربة بين دمعتين مهلكتين، وعن نضال الروح في نِزاعها الضاري لتعيش يوماً إضافيّاً آخر. وربما، على نحوٍ ما، أعرّفُ السجان أو أعرّيه بدلالتنا، نحن ضحاياه. باختصار، إني أدوّن تفصيلاً مجهرياً لزهرة بالكاد تُرى في لوحة قاحلة.

كانت ليالي السجن، على العكس من كل ما تبديه كتابتي هذه، مريرة وقاسية وطويلة. وإن كنتُ هنا تجنبتُ كثيراً من العنف والقسوة التي كانت ستشوه هذا النص عن الموسيقى، فإن سجننا كان المكان الأمثل لاستخراج المشاعر الاستثنائية والمتطرفة في حّدها الأقصى. أنور جعفر (طالب قسم الفلسفة) وهو عازف غيتار متمرس، سيذهب مرةً في عزفه بانفعال استثنائي (انفعال لا يمكن أن يتبدى إلا في حالات موت ما)، لينتهي بأصابع تنزف دماً. نعم، دمٌ حقيقي كان يسيل من رؤوس أصابعه على الغيتار.

عدنان حسن (طالب كلية الطب) يتكور على عوده ويعزف لأحدٍ ما، لشخصٍ غير مرئي إلا في رأسه، ويحاول جاهداً صياغته موسيقياً، علَّه يستطيع ترطيب ذاك الفضاء الجاف. هذا الطبيب الموسيقي سنجده في لحظة أخرى يزرع الفرح بألحانه، سيعزف ألحان أغان فولكلورية وقربه يجلس سليم أسعد (أبو حطب) يغني بصوته المميز، وفي منتصف أغنية ما سيتوقف عدنان عن العزف محتجاً (بطريقته الكوميدية الخاصة) على أبو حطب، الذي لم يكن يُوفًّق دائماً بالبقاء على الطبقة الصوتية كما هي في الأغنية.

سأراقبُ دهام عبد القادر (اعتُقل طالباً في الشهادة الثانوية، وسيحصل بعد السجن على ماجستير علم الاجتماع)، أراقبه لساعات وهو يتمرن أمامي على مقطوعة ما على العود، غافلاً عن كل ما يحيط به، وكأنه خارجٌ للتو من لوحة فارسية. كان دهام، كما يصفه معظمنا، هو الحالة الوصفية عن الإنسان النقي الذي يمكن أن تقدمه الحياة، لو شاءت أن تكون كريمةً، هديةً كل بضع سنوات. سيتابع دهام تعلمه للموسيقى خارج السجن في بلدته عامودا، لكن الحياة ستخذله شابّاً بالمرض الأقسى، السرطان. سوف نجتمع في أيلول 2010 (أكثر من خمسين شخصاً من أصدقاء صيدنايا) في المطار لاستقبال جثمانه المحمول من ألمانيا، ومرافقته عابراً دمشق، لوداعه على مشارفها، وهو عائد إلى تراب بلدته عاموداً. بعد وفاته ستصدر رسالة الماجستير التي قدّمها في كتاب عنوانه «الدلالات الاجتماعية للّغة – مقاربة سوسيولوجية».

الدلالات الاجتماعية للغة؟ الآن أتلمسُ أكثرَ عمّا أكتبُ هنا.

في وداع الموسيقى

نهاية عام 1995 كنا نتجمع، نحن من أنهينا أحكامنا، في فرع فلسطين. كان الوقت بارداً جداً، وجميعنا تقريباً أُصبنا بنزلة برد وسعال. خلال فترة وجيزة تعافينا جميعاً. وحده كريم الحاج حسين (طالب رياضيات، جامعة دمشق) بقيَ يسعل بشدة. في إحدى نوبات سعاله انتبه كريم إلى بقعة من الدم خرجت مع السعال. يا الله. إنه السلّ.

سريعاً أبلغنا السجّان بمرضه، وطلبنا نقله إلى المستشفى. رغم تلقينا الوعد بذلك، إلا أن التنفيذ سوف يتأخر أسبوعاً. من أجل عدم انتشار العدوى، اقترح الجميع عزل المريض، وكان ذلك. انتقل كريم إلى زاوية قرب الباب غادرها على الفور قاطنوها. ولأن التعب قد نال منه، كان على أحدٍ ما أن يبقى قربه لمساعدته، وتطوَّعتُ لذلك (سأخضع لفحوصات وتحاليل فور خروجي من السجن، وسيخبرني الطبيب أن جسمي تعرَّف على السل واستطاع مقاومته).

كان كريم تعلّمَ الموسيقى وأتقنَ العزف خلال سنوات السجن الماضية، خصوصاً وأنه يحفظ الكثير من التراث والغناء العراقي (كمعظم أهل السلميّة)، ويؤديه بصوت جميل. وبحسب تعبير أستاذه أسعد، كان كريم يمتلك أذناً نظيفةً. خلال ملازمتي له، وعلى عادة السجناء المنتظرين لحريتهم، كنا ندردش معاً حول مشاريع المستقبل. سيخبرني كريم أن أحد أهم أحلامه أن يكون لديه معهدٌ لتعليم الموسيقى في مدينته، وحلمه الأكثر خصوصية أن يعلم أبناء إخوته عزف العود. طبعاً كريم لم يكن لديه أبناء، ولم يكن متزوجاً، فقد دخل السجن وكان له من العمر واحد وعشرون عاماً.

راح وضع كريم الصحي يتدهور سريعاً، ولا استجابة من الفرع لنقله إلى المستشفى. في واحدة من نوبات سعاله الشديد، تقيأ في قشرة جوز الهند التي كنت أستخدمها منفضة للسجائر. تناولتها منه وكانت قد امتلأت بالدم. دون وعي، بدأت الضرب على الباب بقوة إلى أن حضر السجان، فأريته الدم المتجمع في جوزة الهند اليابسة. عندها فقط أخذوه إلى المستشفى. تلك الأيام الحرجة كانت آخر الأيام التي رأيت فيها وجه كريم البريء. سوف نخرج إلى الحرية بعد أكثر من شهر، وسوف نعلم أن كريم قد توفي في المستشفى خلال أيام قليلة من تحويله إليها. كان السلّ قد وصل إلى السحايا. أجل بهذه البساطة مات رجل وسيم كان سيملأ فضاء مدينته موسيقى.

لو أنه لم يفعلها، لو أنه لم يمت.

مالك داغستاني

1 آب 2017

http://aljumhuriya.net/38598

 

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

أرواح لا تشبه السجن

هل يمكن أن تحدث أشياء جميلة في السجن؟ التوقع الأولي للإجابة عن هذا السؤال الذي يحمل تناقضاته في بنيته، هي لا. لكن ودون أن أعتبرَ نفسي متسرّعاً، ومن خلال تجربتي الشخصية (ومعي أصدقاءٌ كثر) سوف أجيب ودون تردد: أجل يمكن.

هناك تجارب لا يمكن أن تتيحها الحياة الطبيعية بإيقاعها الضاغط، بينما يجعلها زمن السجن المتمدد والطويل قابلة للتحقق. أعني بشكل خاص أن الحياة الطبيعية لا تسمح دائماً بإنجاز تلك الأشياء التي تحتاج للجهد والصبر والزمن المفتوح الذي يمنحه السجن لنزلائه (طبعاً هنا يجب عدم الوقوع في مطب التعميم، وبالتأكيد يجب استثناء السجون الجحيمية، وفروع التحقيق. الحديث هنا عن سجناء هم مجرد أعداد في سجلّات السجن).

لحجز الحرية عموماً دور وظيفي يتركز على التحطيم (المعنوي والنفسي على الأقل) للفرد المعتقل، ولكن عند توفر الاستعداد الشخصي والمقدرة الفطرية على صنع الأشياء الجميلة، وهي قابلية إنسانية يمكن تنميتها بكثيرٍ من الحُبّ، من الممكن حينها تشكيل آلية جماعية للإرادات المتقاربة لمحاولة الحدّ من مفاعيل هذا الدور التحطيمي لافتقاد الحرية.

في السجن مثلاً، يمكن لأشخاص تجاوزوا السن الطبيعية للطلاب تعلّم لغة أجنبية أو أكثر. تعلّم العزف على آلة موسيقية. الرسم والنحت، وصولاً لتجربة المسرح حتى. وأنا هنا لا أذكر هذه المجالات على سبيل الاستطراد، وإنما لأن لكل منها حكاية ملموسة ومتشعبة بتفاصيل يمكن أن تُروى في تجربة السجن.

المسرح؟ أجل المسرح، وهو ما سأكتب عنه هنا باقتضابٍ قدرَ الإمكان.

المسرح كان كالعديد من النشاطات الجميلة والإبداعية في السجن، منجزٌ محليٌ تماماً، وتجربة فريدة. أرى شخصياً أنه من الإجحاف عدم تناولها في بحث توثيقي يتجاوز ما سأقوم به الآن. والحقيقة أنني أشعر بالخجل الشخصي الشديد لأني/ لأننا تأخرنا (نحن من عشنا تلك التجربة) أكثر من ربع قرن قبل أن نكتب عنها.

في السجن كنا نردّد: «ألا يكفينا أنهم يصنعون الموت وكل هذا الشر. تعالوا لنجعل الحياة أقلَّ قبحاً»، وأجزم (وكم أود أن تشاركوني رأيي) أننا حاولنا جهدنا.

«بروفات» خلف ستائر عسكرية

بدر زكريا (مهندسٌ زراعي) امتلك من المسرح الجامعي في مدينته اللاذقية تجربةً لا بأس بها. في بدايات أيام سجننا الطويل أعلنَ في الجناح عن نيته تشكيل فرقة مسرحية، وهذه كانت بمثابة الدعوة العامة لكل من يعتقد بامتلاكه الموهبة، كي ينضم للفرقة المحدثة. هكذا بدأ بدر بتجميع فريقه المسرحي ممن أرادوا خوض التجربة. عدنان، جمال، رشاد، علي، خلدون، معن، محمد، كريم، خليل، هيثم وآخرون. كان معظم المنتسبين الجدد لا يعرفون عن المسرح إلا النذر القليل. للوهلة الأولى اعتقدنا جميعاً (نحن المعتقلون بتهمة الانتماء لحزب العمل الشيوعي، نزلاء الجناح ألِف يسار الطابق ثالث، في سجن صيدنايا العسكري، نهاية ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي) أننا سنشاهد بعد فترة وجيزة مسرحية تشبه تلك التي تقدمها الفرق المدرسية، وهذا أمر مسلٍّ ولا بأس به في عالم السجن، وسيكون مفهوماً في تلك الظروف.

كان غريباً أن تمضي عدة شهور في التدريبات، ونحن بانتظار العرض الذي تأخر. ماذا كان يفعل هؤلاء؟ كانوا يقومون بتدريباتهم في الفسحة الواصلة بين الجناحين الأيمن والأيسر، في نهاية ممشى الجناح الذي يضم عشر مهاجع. قام أعضاء الفريق المسرحي بعزل مساحة خاصة بستائر قماشية من أغلفة الفرشات العسكرية، وهناك داخل ذاك المُعتزل (وأيضاً في المهاجع ليلاً) انهمكَ أعضاء الفرقة بالقراءة حول التمثيل وثقافة الممثل (طبعاً لدينا في الجناح مكتبة تحوي آلاف العناوين وهي ملكية خاصة بنا، تجمعت مما جاء في الزيارات، وفضلُ إدارة السجن في وجودها لدينا يقتصر على السماح بإدخال الكتب أثناء الزيارات). كل ذاك التثقيف المسرحي تم مترافقاً مع بروفات قراءة الطاولة، وحفظ الأدوار، ثم البروفات الكاملة للتجربة الأولى. إضافة إلى حصة يومية تقريباً للتدريب على حركة الجسد مسرحياً، وعلى امتلاك مهارة فصل الحواس.

أولى تجارب الفرقة في جناحنا كانت مسرحية «اللجنة» المأخوذة عن رواية صنع الله ابراهيم. كان بدر قبل أن يتم تجميعنا، نحن المعتقلون الجدد، في جناح خاص، قد أخرج «اللجنة» سابقاً في الجناح ألف يمين طابق الأول، مع رفاقنا من المعتقلين قبلنا، بعدما أعدّها علي الكردي (كاتب وصحفي) مسرحياً. وأدى الأدوار فيها إضافة إلى بدر كل من علي الكردي، مازن ربيع، عبد درويش ووائل السواح.

خلال فترة التدريبات وأثناء جولة تفقدية قام بها مدير السجن العقيد بركات العش إلى جناحنا، طلب منه مخرجنا بدر زكريا الإذن باستخدام مبنى السينما الموجود فعلاً جانب البناء الرئيسي للسجن بهدف تجربة تقديم مسرحية. بالتأكيد كان بدر يرمي طلبه الفانتازي متوقعاً الرفض، لكنه إطلاقاً لم يكن يتوقع لا هو ولا نحن، سماع تلك الإجابة من العقيد العش: «وشو رأيكن جبلكون رقاصات؟».

الثقافة المسرحية تغزو الجناح

خلال فترة قصيرة بدأت تتردد في الجناح مصطلحات لم تكن معروفة لغالبيتنا (نحن الذين من المفترض أننا مشغولون بالهمّ السياسي) من قبل: الخط الدرامي، بناء الشخصية، تاريخ الشخصية المسرحية، وكثيرٌ من المصطلحات الوافدة حديثاً إلى الجناح، وصولاً إلى ذاك المصطلح الغريب «البروفا جنرال»، تلك البروفا التي أثارت بعض اللغط، بل والاحتجاجات أيضاً، حيث اختار المخرج عدداً قليلاً لحضورها، الأمر الذي اعتبره البعض تمييزاً نخبوياً غير مبرر.

إذن بعد عدة شهور تم تحديد يوم العرض الأول. في واحد من مهاجع الجناح العشرة، احتلَّ الديكور فسحة ستُدعى خشبة المسرح، وما تبقى من مساحة المهجع سوف تغدو الصالة التي ستتسع لخمسين مشاهداً إذا أحسنوا ترتيب جلوسهم. كنّا في الجناح أكثر من مائتي مشاهد محتمل، إذا لم يتخلّف أحدٌ عن الحضور، لذا قررت الفرقة أن تقدم عروضها لمدة أربعة أيام، مع ترتيبات مسبقة للمجموعات التي ستحضر كل عرض.

العرض الافتتاحي لفرقة صيدنايا المسرحية كان حدثاً يفوق الوصف، بل ويمكن القول دون الخشية من السقوط في نقيصة الخفة بإطلاق الأحكام، أنه كان عرضاً غير قابل للتصديق. الأمر الذي بدّد كل تصوراتنا الساذجة، وتشبيهاتنا الغبية لتلك التجربة المدهشة بالمسرح المدرسي. أستطيعُ الادعاء الآن دون الخوف من أن يتهمني أحد بالمبالغة، أن هذه التجربة لا يمكن أن تكون قد حدثت بهذا الشكل المتميز في أي مكان مشابه من العالم. ويوماً ما، سيكون من الإجحاف الكتابة عن تاريخ المسرح السوري دون أن تحتل هذه التجربة الاستثنائية الحيز الذي تستحقه، ليس فقط كمحطة تمتلك من الخصوصية ما يجعلها تجربة إنسانية وجمالية وإبداعية لا تشبهُ ما يمكن أن يُقارنَ بها، بل بصفتها المجردة كتجربة مسرحية سورية، من الواجب (إنصافاً للمسرح السوري) أن تتبوأ موقعها المستحق بجدارة ضمن التجارب المسرحية السورية المميزة.

علب المربيات و«سبوتات» للإضاءة

كانت «سبوتات» الإضاءة مجموعة من العلب المعدنية (معلبات المربى)، تم إلصاق ورق القصدير اللماع لأغلفة علب السجائر في داخلها، لتعطي الانعكاس الضوئي المطلوب بعد تركيب المصابيح بداخلها. قام فنيو الفرقة بتوصيل المصابيح بأسلاك كهربائية انتزعت من علب الكهرباء في جدران الممر. كانت تلك الأسلاك قد زُرعت هناك أصلاً لتمديدات الإذاعة التي لم تعد تبث شيئاً في تلك الفترة، وهذا ما دعانا للطمأنينة بأن عناصر الشرطة لن يضبطوا اعتداءنا على الممتلكات العامة للسجن (توقفت الإذاعة عن العمل بعد استشهاد إحسان عزو المعتقل بتهمة الانضمام لحزب العمل الشيوعي، من مدينة السلمية. معاقباً في زنزانةٍ انفرادية نهاية عام 1987، إثر احتجاجه أمام عناصر الشرطة على بث خطابات حافظ الأسد عبر تلك الإذاعة الداخلية). تم تمديد الأسلاك من العلب (السبوتات) المثبتة على السقف والجدران إلى لوحة خشبية كانت قد جُهّزَت من خشب صناديق الخضار، لتكون لوحة التحكّم لإدارة الإضاءة المسرحية. على اللوحة تمَّ تثبيت عدد من «السرنكات» الطبية المستعملة، وتلك «الحقن» ستكون مفاتيح الكهرباء التي ستشعل وتطفئ الإضاءة بإيصال أو فصل طرفي الأشرطة السالبة والموجبة، عبر دفع المحقن الخاص بكل «سبوت» بطريقة مدروسة تتناسب مع كل مشهد، وسيدير تلك العملية (مهندس الإضاءة).

موسيقا خشب «السحاحير»

أثناء البروفات اشتغل على موسيقى المسرحية كل من حسان وأسعد وأنور لتتناسب مع المشاهد، وتضيفَ إليها الشحنة الدرامية المطلوبة (بماذا ورّطتُ نفسي؟ أي حديث عن هذه التجربة سوف يتطلب الكثير من الشرح والاستطراد. لا بأس)، حسان عبد الرحمن (طالب كلية الطب) يعزف على آلة العود، أسعد شلاش (خريج معهد موسيقا) عازف عود أيضاً، وأنور جعفر (طالب قسم الفلسفة) عازف غيتار. ثلاثتهم يمتلكون مهارة عالية لا تقل عن الموسيقيين المحترفين في شيء، وسوف يرافقهم على الإيقاع (بيدون الماء) موريس وانيس (طالب كلية الاقتصاد). أما العود والغيتار فهما، ككل منتج في السجن، صناعة محلية، وأيضاً من خشب صناديق الخضار، «السحاحير». كانت الأوتار في البدايات تُجدَلُ من خيوط الجوارب التي لم تعد صالحة للاستخدام، أما فيما بعد، فقد أمكن تهريب أوتار عادية، وكانت تلك نقلة مهمة في تاريخ موسيقا السجن. كان هناك مهندسون في الجناح أضافوا لاختصاصاتهم الأساسية في الهندسة المدنية أو المعمارية أو الميكانيكية، اختصاصاً جديداً وتطوعوا لصناعة تلك الآلات بالمقاييس والسماكات الدقيقة، وبأدوات من صناعة محلية أيضاً. والحقيقة أن عملهم كان شاقاً في بعض الأحيان. فعندما تتم مصادرة العود أثناء التفتيش، كان عليهم صناعة البديل خلال أيام قليلة. إذ لم يكن من الممكن تصور الجناح بدون عود وبدون موسيقا. سجن دون موسيقا؟ إنه حقاً أمرٌ لا يُحتمَل. حسان كان جاري في المهجع لسنوات، وقد اختبرت ذلك شخصياً، فقد ساهم هو وموسيقاه في تقديم مساندة نفسية هامة لقدرتي الذاتية على احتمال تلك السنوات الطويلة في السجن.

ملابس، مكياج وديكور على «خشبة مستحيلة»

لنعد إلى المسرح. الملابس والماكياج وصبغات الشعر قام بإعدادها وتجهيزها مختصون آخرون، فجناحنا لم يكن يخلو من عدة فنانين تشكيليين، ومن المفارقات أنه تم الاضطرار لاستخدام ألوان الرسم بما فيها من مواد كيماوية على وجوه الممثلين، الأمر الذي سبب الحساسية للعديدين منهم، ومع ذلك تابعوا استخدامها حيث لا بديل. الديكور كان الموضوع الأصعب، خاصةً في المسرحية التالية «البيت الذي شيده سويفت» لمؤلفها غريغوري غورين. ثائر ديب (طبيب ومترجم) كان قد ترجم المسرحية قبل السجن لصالح سلسلة المسرح العالمي الكويتية (صدرت المسرحية في أول عدد نشر بعد تحرير الكويت)، وفي السجن استطاع استعادتها من الذاكرة وكتابتها. في الإهداء بطبعتها الثانية بعد خروجه من السجن، سيكتبُ ثائر: «إلى تلك الفرقة التي أدّت هذه المسرحية على خشبةٍ مستحيلة».

كان على الديكور أن يماشي الوضع الأمني، ولذا توجّب أن تتوفر فيه قابلية الطي والإخفاء خلال أقل من دقيقة تحسباً لمداهمات التفتيش، كما كان عليه أن يكون قابلاً للتبديل السريع للانتقال من مشهد لآخر، وأن يلبي ويكون صالحاً لأكثر من استخدامٍ واحد خلال العرض. في مسرحية «سويفت» هناك مشاهد لمجموعة من الأقزام. ولأنه كان من المستحيل، تصغير الممثلين، فلم يكن هنالك بدٌّ من تغيير بعض جمل الحوار التي ستوحي بحجم جسم قائلها الضئيل، إضافة لتصنيع ديكورات كبيرة في بعض المشاهد، لتعطي الإيحاء بصغر حجم تلك الشخصيات، كأن يكون فنجان القهوة أعلى من الممثل. ثانيةً كان هناك المهندسون الذين سيتصدون لهذا التحدي، وما أكثرهم، ففي جناحنا فقط أكثر من عشرين مهندساً، ومن جميع الاختصاصات. عمل غسان مارديني (مهندس عمارة) وجميل أضنهلي (طالب هندسة مدنية) وكرم كردية وآخرون لأيام طويلة في صناعة الديكورات، مستخدمين الخشب والقماش والحبال المجدولة من خيوط أكياس النايلون، وعجينة خاصة تدخل في مكوناتها أطباق البيض الكرتونية مع الخبز وبعض الصبغات المحلية، لصناعة المجسمات المطلوبة. كل هذا كان يجري بالتوازي مع البروفات اليومية، ومراقبة بدر ومتابعته القلقة والمتوترة لتفاصيل العمل كأي مخرج محترف. لم يكن بدر يخاف الفشل، بل بدا خوفه تفصيلياً أكثر. كان يخشى أن يخدش عرضه أي نقص أو هفوة بسيطة.

سينوغرافيا؟ لِمَ لا؟

«يجب أن نستخدم سينوغرافيا تعتمد الإضاءة المتحركة في مشهد حرق المعبد»، بهذه البساطة أطلق بدر زكريا فكرته العصّية على التطبيق في ظروف السجن خلال الاستعدادات لمسرحية «إنسواهيروسترات». وما دام بدر قد انتوى ذلك فسوف يكون. شاشات من القماش الأبيض سوف تتوضع بطريقة مدروسة لتنعكس عليها إضاءة صفراء وحمراء متحركة، بما يوحي بحركة ألسنة اللهب وانعكاساتها على عموم الفضاء المسرحي. شكلت تلك اللقطة لحظة عرضها مشهديةً مسرحيةً أذهلت الجمهور، ويمكن القول إنها أربكته أيضاً. «يا إلهي كيف حدث هذا؟»، سيهمس أحد المشاهدين خلال العرض.

ممثلون ولِدوا على خشبة مسرح

يمكن وضع كل ما سبق في كفّة، وفي الكفة الأخرى الأداء المفاجئ للممثلين، الذين فرضوا (وهذا لا يحدث كثيراً في عالم السجن) قُدسيّةً وصمتاً مذهلاً طوال فترة العرض. طبعاً باستثناء تفاعلهم الاعتيادي كأي جمهور مسرحي عريق. لن يصدق أي مشاهدٍ للمسرحية أنها كانت التجربة الأولى لأولئك الممثلين، وسيعلّق البعض أن هؤلاء لا بدَّ قد ولدوا وعاشوا على خشبة مسرح. فيما بعد، وإثر عرض مسرحية «إنسواهيروسترات» لغريغوري غورين أيضاً، والتي تتناول أحداثها أحد المغمورين من عامّة الإغريق الذي قام بحرق معبد دِلفي بهدف الشهرة، ثم مسرحية «الزيادة» لـلكاتب دينو بوتزاني، سيؤكد كثيرون ممن هم على دراية، أن عدنان البب (مهندس زراعي) وخلدون ضوّ (طالب هندسة كهربائية) لم يكونا أقل شأناً في امتلاكهما لأدواتهما في التمثيل المسرحي والموهبة عن ممثلي الصف الأول المحترفين في المسرح السوري. أتذكر الآن تعليقي يومها، بأن أداء خلدون المذهل أحالني مباشرة إلى أدوار الفنان المسرحي السوري العظيم يوسف حنا. كذلك كان تميز باسل خوري (طالب هندسة مدنية) بدور العانس (مع صدر نسائي من البالون) في مسرحية اللجنة. وفي ندوة نقدية بعد عرض هيروسترات سيعلق أحدهم جازماً أنه ليس بمستطاع أي ممثلة في فرق الهواة المتمرسة في سوريا، تجسيد دور الملكة في مسرحية «إنسواهيروسترات» كما فعل رشاد عبد القادر (اعتُقِلَ وهو طالب ثانوية عامة).

أدى خليل مسلم (فنان تشكيلي) الشخصية اللئيمة «كريسيب» في مسرحية «إنسواهيروسترات» بتميزٍ مبهر، مع إتقانه الخاص لتلك الضحكة اللئيمة المستفزة والماجنة، ما حدا بأحد الأصدقاء لأن يطلب من المخرج بدر (مازحاً) أن يغير دور خليل قبل أن نكرهه. في إحدى البروفات النهائية، وكان اللباس المسرحي خفيفاً في جو من البرد الشديد، مرض جميع أعضاء الفريق المسرحي. أخبرني خليل يومها، أنه بسبب نزلة البرد أدى دوره حركياً دون كلام أثناء «البروفا جنرال»، وبعد انتهائه من تأدية أحد المقاطع، نظر باتجاه المخرج ليرى انطباعه وإن كان راضياً. كان بدر يبكي من شدة التأثر.

لم يقتصر دور بدر زكريا على قيادة الفرقة والإخراج، بل كان يشارك تمثيلاً في معظم المسرحيات، وليس من المبالغة القول إن انشغاله بالإخراج جعلنا نخسره في العديد من المسرحيات كممثلٍ مذهل، حيث كان يكتفي ببعض الأدوار المساعدة. لكن في مسرحية «الأوراق» المأخوذة عن رواية عزيز نيسين أدهشنا بدر كممثل بقدر إدهاشنا كمخرج، وكذا فعلَ معن ابراهيم (طالب هندسة كهربائية) الذي شاركه بطولة المسرحية.

لو أردنا الحديث عن إنتاج محلي صرف لمسرح صيدنايا، فإن الإشارة ستتوجه فوراً إلى مسرحية «النظارة». كتب محمد ابراهيم (مهندس كهربائي) المسرحية، وقدمتها الفرقة بإخراج بدر. كانت تلك تجربة محمد الأولى في الكتابة المسرحية، ما جعل من تلك المسرحية تجربة تخصّ فرقة صيدنايا من ألِفِها إلى يائها. وسوف يعلّق أحدهم في تلك الأيام: يا الله! من أعطى لنفسه الحق بسجن هؤلاء الناس وسرقة أعمارهم كل تلك السنوات؟

عروض خارجية

انتشرت أخبار العروض المسرحية المثيرة من جناحنا (عبر وسائل التواصل الخاصة بالسجناء) إلى باقي الأجنحة، فما كان من رفاقنا القدامى (معتقلون قبلنا، بين عامي1980 و1986) الموجودين في الجناح جيم يسار طابق ثاني، إلا أن طالبوا بحقهم (المشروع) في حضور ومشاهدة العرض. «حسناً سننتقل إلى جناحكم ونقدم العرض فاستعدوا»، هكذا جاء رد الفرقة. وهكذا كان على الفرقة الانتقال إلى جناح آخر دون علم إدارة السجن، لعرض مسرحية «إنسواهيروسترات» التي كانت قد عُرضت مؤخراً في جناحنا. هل هذا ممكن في ظروف السجن؟ أجل.

مع خسارة عدة أجزاء من قطع الديكور التي لا يمكن إخفاؤها وتمريرها أثناء عملية الانتقال لهذا العرض الخارجي، تمت العملية بيسر بعد تنسيق دقيق استمر فترة ليست بالقصيرة حتى جاءت ساعة الصفر. في ساحة التنفس تبادل أعضاء الفرقة الأمكنة مع عدد مماثل من الجناح الآخر، أثناء وجودنا معاً في الساحة. صعد أعضاء الفريق المسرحي إضافة للموسيقيين إلى الجناح المُضيف، وعاد معنا إلى جناحنا البدلاء المتطوعون من أصدقائنا الذين تم التنسيق معهم مسبقاً وبدقة عالية، حتى لا يحدث أي خلل في العدد كان سيؤدي لعقوبات جماعية لا تحمد عقباها. تبديل الأشخاص لأجنحتهم لو تمّ بذات العدد هو أمر لن ينتبه له الحراس، فنحن لم نكن سوى عددنا في الجناح، ويتم تفقدنا كل مساء بالعدِّ، فأسماؤنا كحياتنا، لم تكن تعني الكثير لإدارة السجن، التي لم تعلم شيئاً عن هذه التجربة العظيمة لمسرح صيدنايا.

تم العرض في الجناح المُضيف، وخَلَقَ (كما علمنا فيما بعد) أجواء جديدة في حياة أصدقائنا الرتيبة نوعاً ما. تبع العرض ندوات نقدية، تماماً كما كان يحدث عندنا بعد كل مسرحية جديدة. نقاشات لم تكن تنتهي إلا بعد مرور أيام كثيرة. بعد عدة أيام وخلال فترة التنفس التالي تم التبديل المعاكس. وهكذا عاد الفريق المسرحي من رحلته وعرضه الخارجي الأول (والأخير طبعاً)، وانقضت تلك المغامرة المقلقة بسلام.

عرّافة دِلفي

أثناء الاستعداد والتحضير لمسرحية «إنسواهيروسترات»، احتاجت الفرقة لاحتلال مهجع لمدة أسبوعين من أجل إجراء البروفات. وكان أن تم الاتفاق معنا نحن نزلاء المهجع السابع أن نخلي مهجعنا ونتشرد في باقي المهاجع تلك الفترة المطلوبة. أثناء حمّى البروفات النهارية والليلية بقيت هناك معضلة لم تحل. إنها ملابس كريم السيد (مهندس مدني توفي خريف عام 2014) الذي سيقوم بدور عرّافة دِلفي. كان جمال الكردي (طالب هندسة عمارة) كلما جهز تصميماً للملابس السوداء للعرافة يعرضه على بدر، فيمط المخرج المتطلّب شفتيه تعبيراً عن عدم الاقتناع. في إحدى الليالي، وكان بدر غارقاً بين أوراقه في وقت متأخر بينما جميع أعضاء الفرقة نيام، غفا على فراشه ورأسه مستندٌ إلى الجدار. في نومه وجد بدر الزي المناسب للعرّافة. استيقظَ كالملسوع وانقضَّ على كريم يهزه ويوقظه. كريم المرعوب قفز من نومه مذهولاً، وما لبث أن استسلم لنوبة جنون بدر الذي راح يلفّ قطعة القماش السوداء على جسمه بطريقة خاصة، ويثبتها بالدبابيس. عندما انتهى من إلباسه الزي طلب من كريم أن يحفظ الطريقة بدقة من أجل العرض. كريم نصف النائم والمذهول سيقول لبدر: إن اكتشفتُ يوماً أن نسلي قد قُطع، فسوف تكون أنت السبب.

أبو محجوب سويفت

لم يكن من الممكن دائماً إجراء التدريبات والبروفات في نهاية الجناح، فتضطرُ الفرقة لاستعارة واستخدام المهاجع. خلال التحضير لعرض مسرحية «سويفت» أخبرَ بدر نزلاء المهاجع أنه يريد في كل يوم إفراغ مهجع من نزلائه لمدة أربع أو خمس ساعات. طبعاً وافقَ الجميع، مع شيء من التململ من البعض.

عندما جاء الدور على المهجع الأول، وكان نزلاؤه من الأصدقاء في الحزب الشيوعي، المكتب السياسي. تم إفراغ المهجع، لكن ولسبب ما، كان أبو محجوب (الذي يعتبر كهلاً قياساً لأعمار أعضاء الفرقة) مزعوجاً ذاك اليوم، كما كان الجو شديد البرودة والبقاءُ في الفراش أكثر دفئاً، فرفض مغادرة المهجع. «بلا بروفا بلا…… ما رح أترك فرشتي»، ردَّ الطيب أبو محجوب. كان فراشه يقع وسط ما يُفترض أنها المنصة، وهو المكان الذي سيحتله جمال الكردي «سويفت»، الذي يبقى صامتاً طوال العرض. سريعاً طلب بدر من جمال أن يتنحى عن البروفا، وأخبر أعضاء الفرقة أن أبو محجوب سيكون سويفت لهذا اليوم. عند انتهاء البروفا وبعد أن كان أبو محجوب (سويفت الصامت) شاهداً على الجهد والتعب والجدية في العمل. قام إلى أعضاء الفرقة والدموع في عينيه معتذراً: «لا تواخذوني يا شباب، خذوا المهجع، خذوا فرشتي، خذوا ثيابي، خذوا اللي بدكم ياه».

ممنوع التدخين، تقاليد مسرحية صارمة

أثناء الدخول لحضور عرض سويفت كان كل فرد من الجمهور يحمل بيده قصاصةً من الورق عليها بعض الكتابات وما يشبه الختم لتبدو كتذاكر دخول المسرح، مع وجود أحد أعضاء الفرقة على الباب ليتسلم التذاكر ويتأكد من صحتها. «أبو زياد. ما هذه الأوراق التي تحمل ختماً أيها المجنون؟»، سألتُ بدر. «إنها تذاكر الدخول من أجل تحديد العدد اليومي للحضور، ومن أجل تلافي أي فوضى، أما الختم الذي صنعناه من الخشب فهو للتأكد من البطاقة ولعدم حدوث أي خلل».

فيما بعد سيخبرني بدر أنها تقاليد المسرح التي يجب أن نعيش كل تفاصيلها ونحترم كل مفرداتها، حتى تلك التي ستبدو غير ضرورية في هذا السجن. في ندوة تالية للعرض سيذهب محمد ابراهيم أبعد من ذلك: «لقد أحسست وأنا أمسك بالبطاقة أنني فعلاً على باب مسرح، وأن صديقتي كانت ستصل بعد قليل، لندخل ونشاهد المسرحية معاً».

بطبيعة الحال، كان التدخين ممنوعاً خلال العروض. يوم العرض (الخارجي) لمسرحية هيروسترات كان منيف ملحم (أبو وليم، ضابط سابق) متردداً إن كان سيحضر العرض أم لا: «إنهم عدنان وجمال وكريم الذين أعرفهم، فلماذا سأحضر وأشاهدهم هنا؟» هذا ما أخبر به أبو وليم صديقه بدر. في التسوية النهائية وبعد الإصرار عليه للحضور، اشترطَ أنه سيغادر عندما يشعر بالملل، ولأن فتح الباب ممنوع خلال العرض فيما لو أراد المغادرة، اتفقا أن يجلس في الصف الأخير قرب الباب أمام بدر الذي كان يدير الإضاءة في تلك المسرحية إضافة للإخراج. سيخبرني بدر فيما بعد: «بقي أبو وليم خلال ساعتين وربع (مدة العرض) جالساً ومسنداً يده المرفوعة على ركبته. كان يحمل في يده المرفوعة سيكارة مطفأة بانتظار مغادرة العرض كي يشعلها». في نهاية العرض سيعلّق منيف الذي لم يغادر بالطبع: «لم يكن هؤلاء عدنان وكريم وعلي وهيثم الذين أعرفهم، كان هؤلاء العفاريت ممثلين حقيقيين لم يسبق لي أن شاهدتهم أو عرفتهم».

مسرح الهواء الطلق التفاعلي «فشيفش»

علي الحكيم (طالب هندسة مدنية) وهو أحد أعضاء فرقة صيدنايا الأساسيين، الذي يتميز في حياته الشخصية مع صديقه جمال الكردي الممثل أيضاً بالفرقة، بقدرات استثنائية على السخرية. السخرية من أي شيء. نعم أي شيء أو أحد يقرران السخرية منه حتى لو لم يكن يستحق. خطرت لعلي فكرة إنشاء «مقهى مسرحي». سريعاً تمّ تجهيز مستلزمات المكان في الفسحة نهاية الجناح. شاركه في التجربة عماد فطوم (عامل قطاع خاص. توفي ربيع عام 2014) وياسين شمسين (موظف في الإسكان العسكري) وخليل مسلم. فجأة تحول علي إلى اسمه الجديد «المعلم فشيفش» صاحب المقهى الذي حمل الاسم نفسه، والأصدقاء الثلاثة الآخرون تناوبوا على أداء دور (الكراسين). فشيفش اسم مكان على كورنيش بحر اللاذقية، استحضره علي بأفكاره المجنونة بطبيعتها، ليطلقه على المقهى.

دون معرفة مسبقة بتراث الكوميديا المرتجلة أو عروض الهواء الطلق والحوار الارتجالي بين الممثل والجمهور، أعلن المعلم فشيفش عن افتتاح مقهاه الذي سيقدم الشاي والقهوة، للزبائن المحتملين. كان على أي أحد سيصل المكان أن يتحول إلى ممثل على الفور، وإلا سيبدو حالة شاذة وغريبة وحتى كاريكاتيرية ضمن الفضاء المحيط. ولهذا لم يكن يفكر بمجرد الاقتراب مَنْ كان يخشى خوض هذه التجربة الفريدة. كان لافتاً في المقهى ومميزاً على الدوام الكرسون المهموم (عماد فطوم) المتزوج من اثنتين، والذي يحمل همومه ومعاناته مع زوجتيه من البيت إلى المقهى، ويبث شكواه لأي زبون في المقهى، ويخبره عن مشاكله العائلية (المفترضة)، أراد الأخير الاستماع أم لم يُرد.

حكواتي صيدنايا

كل أفكار علي الحكيم المجنونة، والتي لا يمكن أن تخطر لغيره، نفذها في هذا المسرح: موائد القمار الخضراء، المراهنات على نتائج كأس أوروبا لكرة القدم، البطولة الدولية للشطرنج وطاولة الزهر، اليوم العالمي للكذب، إضافة لفقرات اعتبرت يومية تقريباً. قام أيمن قاروط (طالب في قسم الفلسفة) بأداء دور الحكواتي. أيمن أيضاً من ممثلي الفرقة المميزين، كان يحضر كل يوم بهيئة كهلٍ يعتمر الطربوش الأحمر، مرتدياً (شروالاً) وواضعاً الشال على كتفيه، إضافة لنظارة قديمة متهدّلة على أنفه ميزت الكاركتر الذي أدّاه أيمن بإتقانٍ لا يصدق. كان الحكواتي يروي يومياً من كتاب ألف ليلة وليلة، مع إضافات إبداعية مستوحاة من أجواء وواقع حياتنا اليومية في السجن. هذا الخروج المتكرر عن النص إضافة لحركات مسرحية خاصة، هو ما كان يخلق الأجواء الكوميدية والساخرة التي أرادها من تقديم تلك الفقرة اليومية.

ارتجال: مخيلة الممثل الإبداعية

 

عدا ارتجالات صاحب وعمال المقهى التي كانت حاضرة على مدار الساعة، في مسرح فشيفش كان متاحاً لكل من أراد المشاركة، الانخراط بارتجالٍ ما، وكيفما اتفق. عصر أحد الأيام، ودون علم «المعلم فشيفش»، جهز كل من بدر زكريا وأيمن قاروط نفسيهما باللباس المناسب للعب دور «القبضايات» المتنمرين. حضرا إلى المقهى بنظرات تزدري باقي الحاضرين. وحسب ما كانا قد خططا، افتعلا مشكلة مع أحد الكراسين، وما لبث الأمر أن تطور فضربا المعلم فشيفش والعمال وكل من تدخل من زبائن المقهى. انسحبَ المعتدون بعد أن خلّفوا حالة من الفوضى بدا معها وكأن محتويات المكان قد تحطمت. سيخبرني علي في فترة لاحقة أنه لوهلةٍ ظنهما يضربانه بجد.

يومياً كانت تجري العديد من حالات القصّ الارتجالية لمن يريد المشاركة عفوياً ودون أي تنسيق مسبق. أكثر تلك التجارب لفتاً للنظر كانت مع الخيال بالغ الخصوبة الذي قدمه عبد الكريم متوِّج (طالب هندسة زراعية) في قصصه التي تحاكي إلى حد غير قليل، الواقعية السحرية عبر ارتجالات إبداعية كانت توحي أن صاحبها قد عاشها فعلاً.

فشيفش وغورباتشوف وداريو فو

تماشياً ومواكبة للأحداث العالمية، كان المعلم فشيفش يغير من روتين المقهى، كلما تطلب الأمر ذلك. أثناء الانقلاب العسكري على غورباتشوف زعيم الاتحاد السوفييتي في تلك الفترة، تناغمت القهوة سريعاً مع الحالة الروسية الجديدة. فرض فشيفش حالة الطوارئ، وصار على كافة الزبائن الانضباط والالتزام الصارم بالدور للدخول للمقهى وحتى خلال تحركاتهم ضمن المكان. رسم دروست عزت (فنان تشكيلي) لوحات فنية كاريكاتيرية للمعلم فشيفش تتناسب وتجاري الانقلاب الروسي وحالة الطوارئ وتم تعليقها في المقهى. وهكذا تحول المعلم فشيفش إلى ديكتاتور عسكري صارم يطلق الأوامر ولا يجيد الابتسام. الابتسام الذي لم يغادر المقهى في أية لحظة.

ما قام به علي الحكيم كان الأشد شبهاً لما فعله المهرج الإيطالي العظيم داريو فو في تجربته الشاقّة التي أسماها مسرح البلدية في روما. كان فو يقوم مع فرقته بتحويل مكان مهجور إلى مسرح للحرية بالجهود الفردية للممثلين. من المؤكد أن مسرح داريو فو هذا لم يكن يومها الملهم لعلي الحكيم ولا لمجمل تجربة قهوة فشيفش. لكن اليوم وبعد ربع قرن على التجربة، أجد شخصياً أن هذه المقارنة تبدو معقولة، لو أردنا اشتقاقاً، نحتَ مصطلح «المسرح المُقارَن».

موت مسرحنا صدفة

كانت مسرحية «موت فوضوي صدفة» لـ داريو فو ستغدو آخر المسرحيات كما كانت تشير مواعيد محاكماتنا في محكمة أمن الدولة العليا. أجرت الفرقة العديد من البروفات، ثم توقفت لفترة وعادت ثانية. تكرر هذا الأمر عدة مرات طوال سنة كاملة، ومع ذلك لم يكن مقدراً لهذه المسرحية الرائعة أن ترى النور على مسرح صيدنايا للأسف. كانت أخبار مؤكدة قد بدأت ترد إلينا عن قرب خروجنا من السجن (طبعاً لم يحدث ذلك إلا بعد سنوات). وكان لهكذا أخبار تأثير قوي على الوضع النفسي للسجناء عموماً بمن فيهم أفراد الفرقة، ولذا توقفت البروفات نهائياً. هذه النهاية الدرامية لمسرح صيدنايا صاحبتها غصّة (قد تكون شخصية). فمسرحية داريو فو تلك بالذات كانت كدراما، تلائم وجودنا التراجيدي في سجن الأسد الأب. إنها من أشهر مسرحيات صاحب جائزة نوبل، وقد كتبها عن قصة حقيقية لموت أحد السياسيين الفوضويين أثناء احتجازه لدى الشرطة، وتعتبر من أهم نماذج التوظيف السياسي للكوميديا السوداء في المسرح.

اليوم، ونحن نقرأ التقارير، ونستمع إلى قصص الناجين من (مسلخ) صيدنايا عن آلاف حالات الإعدام التي تمت وتتم فيه في زمن الأسد الابن، نردِّد (في دواخلنا على الأقل، نحن نزلاؤه السابقون) أن سجن صيدنايا في تلك الفترة كان منتجعاً من فئة الخمسة نجوم فعلاً، مقارنةً مع ما يشهده اليوم من جرائم. في أيامنا تلك كان الجحيم السوري الحقيقي الذي أنجزه الأسد الأب وأزهقَ فيه عشرات الآلاف من أرواح السوريين، هو سجن تدمر.

 

مالك داغستاني

10 تموز 2017

http://aljumhuriya.net/38403

 

كَهفنا السوري بين أبَدَين..

كَهفنا السوري بين أبَدَين..

في كل مرة أسمع خبراً عن إحالة سوريّين إلى محكمة الإرهاب، تقفز إلى رأسي بشكل لا إرادي، محكمة أمن الدولة العليا، ولولا “شكليتها” وتبعيتها لجهاز المخابرات، لأوشكت أن أترحّم على أيامها. مباشرة تعود إلى ذهني ذكريات متناقضة مشتتة وغير مترابطة، كواحد من ضحايا محاكمات تسعينيات القرن الماضي في تلك المحكمة وسط دمشق.

كان الطريق إليها يشكل لنا حالة مريرة. مجموعة من المعتقلين في سيارة شاحنة مغلقة وقديمة الطراز، نترنح ملفوفين بالرائحة الكريهة للمازوت المحترق الذي ينفثه عادم تلك السيارة. دُوار في الرأس، وشعور بالغثيان، وقلق من اللحظات القادمة.

بعد خمس سنوات قضيناها خلف الجدران فوق تلّة معزولة، كان الفضول يدفعنا إلى مراقبة الشارع والناس لقياس التغيرات التي طرأت على البلد خلال غيابنا الطويل. على طول الطريق من صيدنايا إلى شارع ٢٩ أيار حيث مبنى المحكمة في واحدٍ من تفرعاته، قريباً من السبع بحرات. تكرر نزولنا لجلسات المحكمة أربع أو خمس مرات، وفي كل مرّة كنا نلحظ أشياء جديدة تجعلنا نتصور أن هناك تطورٌ ما يحدث.

على ذاك الطريق، رأينا لأول مرة أطباق استقبال البث التلفزيوني التي تكاثرت في غيابنا (بشكل حذر وغير قانوني بدايةً) ورحنا نتساءل باستغراب: ما هذه الأطباق المعدنية المنتشرة على أسطح المنازل والأبنية؟ كنا نراقب أنواع السيارات الحديثة وحتى ألوان ملابس العابرين. وفي كل مرّة، كان شعور أهل الكهف لا يفارقنا.

لكن بمجرد الوصول ودخول المحكمة كان كل شعور بالتغيير سيزول على الفور. حيث نرى زملاء الكهف في صور أركان وموظفي النظام. “علي الضاهر” النائب العام يجلس خلف القوس (كان مستطيلا وليس قوساً) وملامح ملل موظفي القطاع العام تكاد تكون السمة الوحيدة الموحية في وجهه. وبينما كانت الأحكام التي ستأكل من أعمارنا (أحكام تقررت في فروع الأمن) تنهال علينا، كان هو يرسم بلا مبالاة، وتزجيةً للوقت الممل، مربعات ودوائر عشوائية على ورقة مرمية أمامه. ما كان يشعرني بظلم مضاعف معرفتي أن هذا “الشيء” سوف يعود إلى بيته بعد قليل، بينما سنعود نحن إلى زنزانات السجن.

في جلستنا الثانية، وعندما للمرة الأولى، رأيت القاضي “فايز النوري” الرئيس المزمن لمحكمة أمن الدولة العليا، تذكرت على الفور وجهه والقاعة. فقبل سنوات طويلة كنت قد شاهدته على القناة السورية وكان تلفزيون بيتنا ما زال بالأبيض والأسود. كان ذلك أثناء محاكمة مجموعة من المتهمين بالانتماء للإخوان المسلمين. هو ذاته لم يتغير فيه شيء، خارجٌ مثلنا من الكهف بصبغة شعره التي ما زالت ذاتها.

مشاهدة القاضي والنائب العام يتصرفان كموظفين لدى المخابرات، كانت تصيبني بإحساس انعدام الأمل الوطني. هناك كنت أشعر أن البلد بأكمله يشاركنا الكهف على نحوٍ ما. بلدٌ ساكن لا يخضع للقوانين والسنن الكونية التي تقتضي التطور، أو التغيير على الأقل.

ظاهرة واحدة كانت تشذ بنا عن تلك الأحاسيس المحبطة، وتوحي ولو بشكل غير مباشر أن هناك أمل ما، سوف يتجلى على نحوٍ ما في يوم ما. إنهم أهالينا، وخاصة النساء من أمهات وزوجات وأخوات، اللواتي تعودن أن يأتين في مواعيد جلسات محاكماتنا. كنُّ يقفن بعيداً على الرصيف، بانتظار وصولنا ونزولنا من سيارة نقل السجناء، مربوطين من يدنا كالعبيد كل مجموعة بجنزير واحد.

إنه مشهد مذلٌ للسجين وأهله، ومن المفترض بداهةً، أن يجعلهنَّ في حالة من الاضطراب. المفاجأة أنهن في عدّة مرات كنًّ يبدأن بالزغاريد، خاصة حين تكون من بينهم عائلة فلسطينية، فهذا التقليد فلسطيني. كن يزغردنَ لمجرد رؤيتنا نلوح لهن باليد المحررة، بينما يدفعنا عناصر الشرطة لدخول مبنى المحكمة بسرعة، وقطع هذا المشهد الشاذ في كهف سوريا الأسد. تكرر هذا المشهد عدة مرات، وسط دهشة العابرين في محيط المنطقة، الذين كانوا يتوقفون لبرهة، يدفعهم الفضول لمعرفة واستيعاب هذا المشهد غير المألوف، ثم يمضون إلى مشاغلهم.

حصل هذا قبل أكثر من خمسة عشر عام على انفجار ثورة السوريين، وقبل صدور قرار بإلغاء محكمة أمن الدولة العليا، ليُستعاض عنها بمحكمة الإرهاب الأكثر غموضاً. قد يكون بحكم الاهتراء الفيزيولجي قد جُلِبَ “نوريٌّ” جديد و”ضاهرٌ” جديد، توقاً إلى أبدٍ كهفيٍّ جديد رغماً عن سنن التاريخ. التاريخ الذي طالما صفع الطغاة. ففي كل مرّة وفي المشهد النهائي، كان يركلهم على أقفيتهم مردّداً حكمته الأثيرة: “ليس هناك من أبد”.

مالك داغستاني

7 يوليو 2017

https://rfsmediaoffice.com/2017/07/07/%d9%83%d9%8e%d9%87%d9%81%d9%86%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a3%d8%a8%d9%8e%d8%af%d9%8e%d9%8a%d9%86/

 

قتلوه هرساً

أكاديمية سجن صيدنايا العسكري، صناعة التطرف

أكاديمية سجن صيدنايا العسكري، صناعة التطرف

تختَزِلُ سجونُ الاعتقال السياسي في سوريا، من تدمر إلى صيدنايا مروراً بالمزة وعدرا، أسلوبَ نظام الأسد في الحكم، إذ تُرتكب فيها جرائم بحق معتقلين لا يملكون شيئاً يدافعون به عن أنفسهم وكراماتهم أمام آلة التعذيب والتنكيل الممنهجة سوى الدعاء إلى الله أن يخفّف عذابهم ويُحسن خاتمتهم ويفرّج عنهم ذلك الكرب العظيم.

كان للاعتقال السياسي دور في تشكيل المجتمع السوري ثقافياً وسياسياً وفكرياً، والمتابعُ لمجريات الثورة في سوريا، أو «الحرب الاهلية» -كما يحلو للمجتمع الدولي أن يسميها- يدرك بشكل أو بآخر أن السجون لها دور بارز في الحرب بين السلطة والمجتمع المنتفض. وربما كان أحد أبرز هذه السجون هو سجن صيدنايا، ليس لأنه أسوأ مكان على وجه الأرض، ترتكب خلف أبوابه المقفلة جرائم ضد الإنسانية، ويموت الناس جوعاً أو تحت التعذيب الممنهج أو بسبب عدم العناية الصحية، بل لأن هذا السجن كان له دورٌ في رسم خريطة الصراع الذي نعيشه منذ سنوات، إذ أن معظم قادة الكتائب الإسلامية «المعتدلة والمتطرفة»، التي تقود العمل المسلح ضد نظام الحكم، كانوا قد أمضوا سنواتٍ من عمرهم في هذا السجن، على خلفية انتمائهم للتيار السلفي أو إقدامهم على أعمال جهادية في العراق أو غيره.

كُتِبَت نصوصٌ ومقالات كثيرة عن سجن صيدنايا ومجزرته الشهيرة، وعن قادة العمل الجهادي في سوريا اليوم، وعن فترة سجنهم فيه ثم إطلاق سراحهم مع بداية الثورة السورية عبر مرسوم إنهاء حالة الطوارئ وما تبعه من إغلاق لمحكمة أمن الدولة العليا، وتحويل القضايا المنظورة فيها إلى القضاء المدني. وإطلاق العفو الرئاسي الشهير في منتصف شهر حزيران 2011، الذي تم بموجبه إخلاء سبيل العديد من المعتقلين على خلفيات جهادية.

ولأنني كنت واحداً من المعتقلين في صيدنايا، وقضيت فيه خمس سنوات من عمري انتهت مع بداية الثورة السورية في 18 آذار 2011، فقد أتيحت لي فرصة نادرة لمعرفة كيف تتم صناعة التطرف الديني داخل السجون، وكيف تتم الاستفادة من ذلك في وقت لاحق.

قالت التقارير والمواد الصحفية والوثائقية المشار إليها جزءاً من الحقيقة، لكنها لم تقلها كاملة. ولا نتهم أحداً بالتزييف أو التحريف هنا، لكن الأمر يحتاج إلى أبحاث معمقة تغوص في تاريخ سوريا القريب، تحديداً منذ اعتداءات 11 أيلول في الولايات المتحدة الأميركية، التي غيّرت وجه العالم.

بدأت في ذلك التاريخ حربٌ جديدةٌ قادتها الولايات المتحدة على التطرف الإسلامي، الذي أصبح مرادفاً للإرهاب، وبدأ العالم ينقسم إلى محورين: محور الخير الذي تتزعمه الولايات المتحدة ويضم الدول الغربية والدول السائرة في فلكها، ومحور الشر الذي ضم كوريا الشمالية وكوبا وإيران والعراق وسوريا. ولا نريد الغوص في هذا الموضوع هنا، غير أنه لا بد من ذكره كي يستقيم مسار الأحداث في أذهان القراء.

معركةٌ أخرى جديدة انطلقت في سوريا آنذاك، تتماشى مع الركب العالمي الجديد، لسان حال النظام فيها يقول إن سوريا عانت من الإرهاب في الماضي، وتعاني منه اليوم، وإن ما جرى في الولايات المتحدة كانت سوريا قد خبرته وجربته في ثمانينيات القرن الماضي.

هذا كان كلام أهل السياسة في النظام يومها، أما المخابرات السورية فقد بدأت إعداد نفسها لتجهيز هذا العدو المفترض وتقديمه إلى الجمهور السوري، ومن ثم المجتمع الدولي، لتثبت صدق أهل السلطة في سوريا. من هنا تبدأ قصتنا مع صناعة التطرف الديني.

لم تعرف سوريا عبر تاريخها حركات سلفية، ولم تكن يوماً مركزاً للإسلام الجهادي العابر للحدود. صحيحٌ أن هناك قادةً بارزين في تنظيم القاعدة من سوريا، مثل مصطفى ست مريم «أبو مصعب السوري»، أكبر منظر عقائدي ومهندس استراتيجي لتنظيم القاعدة؛ ومحمد عادل الزمار «أبو حيدر»، زعيم خلية هامبورغ المسؤولة عن تجنيد محمد عطا ورمزي بن الشيبة، منفذَي هجمات 11 أيلول في الولايات المتحدة. لكن ينبغي القول إن كلا الرجلين تركا سوريا في ثمانينيات القرن الماضي على خلفية صدمات نظام الحكم مع الطليعة المقاتلة في حركة الإخوان المسلمين، وانخرطوا في الجهاد الأفغاني ضد السوفييت.

كان الإسلام في سوريا إسلاماً معتدلاً صوفيَ التوجه تاريخياً، لم يعرف الغلو أو الحركات الدينية الراديكالية، ولا يمكن القول إن الطليعة المقاتلة كانت حالة تمثيلية واسعة ضمن المسلمين السوريين السنّة.

الأمر الآخر يتمثل في القبضة الأمنية الشديدة التي يفرضها النظام على المجتمع، التي لا تتيح لأحدٍ التعبير عن نفسه خارج الأطر التي ترسمها الدولة. كل شيء في سوريا مرسوم بدقة، بما في ذلك المؤسسة الدينية، التي كانت دوماً قريبة لأهل الحكم منذ أيام السلطنة العثمانية.

خلال الفترة اللاحقة لأحداث 11 أيلول ودخول أمريكا إلى أفغانستان لمحاربة تنظيم القاعدة، بدأت مخابرات النظام السوري العمل على نشر الفكر الجهادي بين صفوف الشباب، وبدأ خطباء المساجد بحثِّ الشباب على الجهاد في سبيل الله «دفاعاً عن الإسلام، وصوناً لأعراض المسلمين في فلسطين وغيرها من البلدان». أبرز مثال على هؤلاء المشايخ هو محمود قول أغاسي «أبو القعقاع». هذا الرجل الذي سوف يكون له الدور المفتاحي في الدعوة للحركة الجهادية السورية لاحقاً.

انطلق أبو القعقاع في دعوته الجهادية من مسجد العلاء بحي الصاخور في مدينة حلب، كانت خطبه الحماسية، التي ترافقت مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2001 واستفحال الحصار الاقتصادي على العراق، تلهب مشاعر المصلين في المسجد وتحثُّ الشباب على الجهاد في سبيل الله «نصرة لإخواننا المستضعفين في فلسطين والعراق».

كان أبو القعقاع يمتلك قدرة خطابية عالية، وعنده معرفة كبيرة في تفسير القرآن الكريم، حافظ للسنة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين. يملك الوسائل الكافية للإقناع والوصول إلى القلب، حجته قوية وأدلته الشرعية محكمة. كان مثالاً لرجل الدين الشاب الثائر على الظلم والاستبداد، بالإضافة إلى أنه يضع رفع الظلم عن المستضعفين نُصبَ عينيه.

استطاع أبو القعقاع استقطاب الشباب حوله خلال مدة قصيرة جداً، وبعد إعلان الولايات المتحدة الحرب على «الإرهاب» انتقل أبو القعقاع من القضية الفلسطينية إلى مرحلة تبني الجهاد العالمي، فسعى إلى تكوين علاقات خارجية مع الحركات الجهادية الكبرى بغية الحصول على الشرعية المطلوبة، وكان قد أعلن عزمه السفر إلى أفغانستان لمقابلة أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة آنذاك لكنه فشل في مسعاه. توجه بعدها إلى المملكة العربية السعودية وقطر لمقابلة منظري السلفية والوهابية هناك.

لعل شهادةً قالها أمامي محمد الدردار «أبو الطيب»، تكون مهمة في هذا السياق. والدردار فلسطينيٌ سوري، درس الهندسة المدنية في جامعة دمشق وتخرج عام 1997. سافر بعد ذلك إلى كندا وأقام فيها مدة من الزمن، قبل أن يعود إلى سوريا في العام 2004 بعد أن اشتبهت السلطات الكندية بانتسابه لتنظيم القاعدة، وبأنه أحد المتورطين في عملية تعطيل محطة كهرباء في كندا العام 2003، في حادثة شهيرة أغرقت شمال أمريكا وجنوب كندا بالظلام وتسببت بخسائر اقتصادية فادحة للبلدين. قُتِلَ «أبو الطيب» خلال أحداث سجن صيدنايا 2008. ففي حديث دار بيننا في السجن أواخر عام 2006، كان موضوعه الأساس الموقف من أبي القعقاع والاتهامات الموجهة له بالعمالة للنظام السوري، وكان مجمل كلام أبي الطيب فيه يتجه إلى نفي تبني تنظيم القاعدة لأبي القعقاع في أي وقت، قال: «لم يستطع أبو القعقاع إقناع أحد خارج سوريا بصدق دعوته وعمله، لقد كان الجميع مستغربين من حماسه وخطبه النارية في بلدٍ عُرِفَ بكتابة خطبة الجمعة لأئمة المساجد من قبل المخابرات».

 

بعد مدة، في العام 2004، أصدرت قيادة القاعدة في العراق فتوى بهدر دم أبي القعقاع بحجة تعامله مع النظام السوري وإيقاعه بالمجاهدين. لكن أبو القعقاع لم يكن الداعية الوحيد الذي دعمته المخابرات السورية لحث الشباب على الجهاد في العراق، فقد كان في سجن صيدنايا كثيرٌ من المشايخ والأئمة من مختلف المناطق السورية من ساهموا، بأوامر مباشرة أو غير مباشرة من مخابرات النظام السوري، بدفع الشباب إلى الجهاد في العراق. منهم -على سبيل المثال- فؤاد نعال، وهو شيخ مسجد في منطقة العدوي بدمشق حوّلَ مزرعته في منطقة صحنايا إلى مقرٍ دعويٍ جهادي، ومكان لتدريب المجاهدين على حمل السلاح بسيناريو شبيه بسيناريو أبو القعقاع في مسجد العلاء بحلب.

هناك أيضاً عبد الحليم جاموس، وهو شيخٌ من طيبة الإمام في محافظة حماة، ساهم في إرسال العديد من الشباب إلى العراق، وخرجَ هو أيضاً على رأسهم. اعتُقل عام 2007 وحُكِمَ بالسجن لمدة عشر سنوات، ليتم إخلاء سبيله بموجب العفو الرئاسي حزيران 2011، ويُقتَل على يد قوات الأمن السورية في إحدى الاقتحامات للبلدة عام 2012؛ وعبد الله الخطيب، شيخٌ وخطيبُ مسجدٍ في قرية بزابور بمحافظة إدلب، عَمِلَ أيضاً على الدعوة للجهاد وإرسال المقاتلين إلى العراق. اعتُقِلَ بدوره عام 2007، وأخلي سبيله عام 2011 في العفو الرئاسي أيضاً.

لا أبالغُ إذا قلتُ إن عدد الدعاة والمشايخ الموجودين في سجن صيدنايا، والذين كان لهم دور كبير في حث الشباب على الجهاد في العراق منذ العام 2003 حتى العام 2008، تاريخِ تمرد سجن صيدنايا الشهير، قد بلغ حوالي 40 داعيةً وشيخاً وخطيبَ مسجد، كانت السلطات السورية قد غضت النظر عنهم، أو سهّلت لهم تجنيد الشبان، أو دعمَتهم بشكلٍ مباشر.

اجتياح العراق

شكّلَ اجتياح القوات الأمريكية للعراق المنعطف الأبرز في تاريخ الحركات الجهادية السورية، فقد ساهم أبو القعقاع وغيره من رجال الدين بزجّ الشباب في قتال القوات الغازية «للبلد العربي المسلم»، وبدأت الدعوة إلى الجهاد على منابر المساجد في تلك المرحلة بشكل شبه علني، حتى وصل الأمر بمفتي النظام يومها أحمد كفتارو إلى إصدار فتوى[1] عام 2003، دعا فيها إلى وجوب الجهاد في العراق نصرةً لإخواننا المسلمين هناك.

بدأت باصات الجهاديين تنطلق من دمشق وحلب وكافة المناطق السورية قاصدة الحدود العراقية للالتحاق بالمجاهدين، ولم يقتصر الأمر على السوريين، فقد بدأ الجهاديون يتوافدون من الأردن ولبنان والسعودية ومصر وغيرها من الدول العربية لقتال القوات الأميركية المحتلة. باختصار، حوّل النظام سوريا خلال الفترة الممتدة من عام 2003 حتى عام 2005 إلى منصة دولية لاستقبال الجهاديين وإرسالهم إلى العراق.

حققَ النظام حينها عدة أهداف، أهمها التخلص من السوريين ذوي النزعة السلفية الجهادية القادرين على حمل السلاح، بإرسالهم إلى العراق لقتال الأميركيين بدلاً من قتالهم للنظام نفسه يوماً ما، وإحباط مخطط الإدارة الأميركيّة المعلن يومها، العازم على التخلص من الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة، ومنها النظام السوري نفسه.

لكن ارتفاع لهجة التهديدات الأمريكية لسوريا، وتوعد كولن باول وزير الخارجية الأمريكي النظامَ السوري بضربة عسكرية قاصمة في حال لم يضبط حدوده ويوقف إرسال «الإرهابيين» إلى العراق، دفعَ النظام إلى التوقف عن هذه اللعبة بشكل مؤقت. وقتها، أطلقَ رئيس النظام السوري بشار الأسد مثاله الشهير عن الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، مدعياً أن الحدود مع العراق طويلة ولا يمكن ضبطها بسهولة.

في نهاية الأمر، أُجبر النظام على وقف هذا التدفق وإقفال ملف الجهاد في العراق بشكل شبه نهائي، ترافق هذا مع اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وما أعقبه من تبعات على سوريا، متمثلة بخروجها من لبنان واتهام النظام السوري بمسؤوليته المباشرة عن هذا الاغتيال. هذه الحادثة سوف يكون لها تبعات على الملف الجهادي أيضاً، سوف نذكرها في وقت لاحق.

بقي أن نذكر أمراً مهماً، وهو أن غالبية الذين شاركوا في قتال القوات الأمريكية في العراق بداية العام 2003 و2004 من السوريين، لم يشاركوا يومها تحت دافع ديني جهادي، ولا أبالغ إن قلت إن معظم السوريين الذين كانوا في سجن صيدنايا من المقاتلين في العراق قاتلوا على خلفية قومية، عشائرية، عاطفية.. وحين عاد قسمٌ منهم زُجَّ بهم في السجون السورية خلال الفترة الممتدة من العام 2004 وحتى العام 2008.

الانعكاسات على سجن صيدنايا

ارتفع عدد السجناء الإسلاميين في سجن صيدنايا بين العام 2004 والعام 2008 -عند انطلاق التمرد الشهير- من 200 معتقل إلى ما يقارب 1460، معظمهم محسوبون على التيارات الجهادية، بمختلف تصنيفاتها.

لم يتجاوز عدد السجناء الآخرين 200 شخصٍ من مختلف التُهَم: إخوان مسلمون، حزب التحرير، نشطاء حقوق إنسان، نشاط سياسي معارض للنظام (أي تُهمتي)، نشطاء الأحزاب والتنظيمات الكردية، حزب العمال الكردستاني، والتعامل مع إسرائيل.

تحوّلَ السجن بعد العام 2005 إلى مصنع لإنتاج التطرف بكل ما تعنيه الكلمة، فقد عمل النظام على الزجّ بكل عائدٍ من حرب العراق في السجن، وبدأت المعاملة القاسية والمهينة والحاطّة بالكرامة تمارس على المعتقلين: ضرب، تعذيب، تفتيش عارٍ، حرمان من الأكل، حرمان من النوم، شتم الأعراض، شتم المقدسات الدينية … إلخ. باختصار، لقد كان التعذيب الممنهج والإهانات جزءً من الحياة اليومية في صيدنايا، وقد مات حوالي 4 سجناء بين الأعوام 2005 و2008 نتيجة انعدام العناية الطبية وسوء الأحوال الصحية في المهاجع. بالإضافة إلى ذلك، موؤس الحرمان من الزيارة وقطع الاتصال مع العالم الخارجي، حيث لا يوجد راديو أو تلفزيون، حتى الجرائد الرسمية الصادرة عن النظام كانت ممنوعة من الدخول إلى المعتقلين.

رغم هذا التعذيب والحصار ومنع كل وسائل الاتصال مع العالم الخارجي، كان النظام يسمح بوجود عدد من المصاحف في كل غرفة، ولا يقوم بمصادرتها. ومع أن الصلاة ممنوعة وهناك عقوبةٌ على من يُضبَط وهو يصلي، كان النظام يسمح بوجود مصاحف وحفظ القرآن الكريم داخل الغرف.

ربما يرسم هذا التفصيل الصغير جزءاً من الصورة، وبالإضافة إلى ذلك كان النظام يخلط داخل السجن أصحاب التجارب القتالية العالية من المجاهدين وزعماء القاعدة مع سجناء لا علاقةَ لهم بالتطرف وبالجهاد، مثل سجناء «دعاوى السيديات»، وهي تهمة كل شخص قُبِضَ عليه وبحوزته «سي دي» لخطبة من خطب أبو القعقاع. يُقدر عدد المتهمين بحيازة سي دي لأبو القعقاع، أو أحد كتب ابن تيمية، بحوالي 400 شخص، منهم أطفال قصّر، تراوحت أحكامهم بين 5 إلى 7 سنوات حسب المستوى التعليمي، فكلما ارتفع المستوى التعليمي كلما زاد الحكم.

هذا الاحتكاك ونقل الخبرات، إذا صح التعبير، كان يتم داخل السجن بشكل يومي، فإذا نظرنا إلى الصورة الكاملة، نجدُ أن أناساً زُجَّ بهم في السجن من أجل «هدفٍ نبيلٍ» متمثل بالدفاع عن الدين والذود عن أعراض المسلمين، يُعامَلون معاملة سيئة ويهانون ويشتم دينهم ولا سبيل أمامهم لفعل شيء.

هنا يدخل السجين في صراع مع الذات، ويبدأ بمرحلة المراجعة لنفسه ومعتقداته، وهنا أيضاً يُقتَلَ الندم بشكلٍ نهائيٍ من مخيلة السجين، فلا مكان للندم على فعلٍ مشرفٍ هدفه نبيل: «العلة ليست بالهدف، العلة في النظام الحاكم، والعلة في كل شيء يخالف العقيدة الدينية والشرع». يعزز من هذه الفكرة وجود دعاة جهاديين بين السجناء، يعرفون كيف يكون التلاعب بالعقول في ظل هذه الظروف العصيبة التي من الممكن أن تؤدي إلى الموت في أي لحظة. هنا تبدأ مرحلة الضخ العقائدي الجهادي، المترافقة مع دروس الولاء والبراء والعقيدة وأصول التوحيد ونبذ الشرك وقتال الفئات الضالة، وكذلك الخوض في الأمور الخلافية.

لا أبالغُ إذا قلتُ إن التاريخ الإسلامي كله، منذ الدعوة المحمدية إلى يومنا هذا، تمت مناقشته في صيدنايا بكل حذافيره. كانت هذه هي الوجبة اليومية لسجناء صيدنايا الإسلاميين.

 

ليس هذا فحسب، فبعد الوجبات الدسمة من دروس الفقه والعقيدة والتفسير، التي تركز في معظمها على تعظيم الجهاد والقول إنه الركن الأساسي في إيمان المسلم والعمود الفقري للعقيدة الإسلامية الصحيحة، تبدأ عملية الاصطفاء، وتبدأ المناظرات الشرعية، «المباهلة»، بين السجناء الذين التحقوا بالخطاب الجهادي، لتبيان مدى فهمهم لما تعلموه.

تتم مناقشة أمور (كالبرلمان والديمقراطية)، وسوق الأدلة الشرعية على مخالفتها للإسلام. وبعد الإجماع على أنها من الشرك، ينتقل النقاش إلى مرحلة تكفير من يدعو للديمقراطية وتُساق الأدلة الشرعية أيضاً. والمرحلة الأخير تكون بتكفير من لا يكفر الداعين للديمقراطية والبرلمانات الشركية. وعلى هذا المنوال تُناقش القضايا والأمور الفقهية التي لها علاقة حصراً بمواضيع التكفير والحكم على الناس، مثل حكم تارك الصلاة: هل هو كافرٌ أم لا؟ حكم من شتم الله: هل يستتاب أم يقتل؟ المِسبَحَة: هل هي بدعةٌ أم تشبّهٌ بالنصارى؟ تكفير من ينكر بأنها بدعة …. إلخ. ثم تبدأ عملية الفرز للسلفيين أنفسهم، فكل من أنكر تكفير تارك الصلاة مرجئٌ أو ذو عقيدة ضعيفة، وكل من كفّر المدخّن -على سبيل المثال- هو سلفي جهادي حقيقي عقيدته سليمة.

تُناقش كل الأمور الحياتية تقريباً في سجن صيدنايا، ويتم إصدار الحكم الشرعي فيها، من حلق اللحية إلى حلق العانة، ومن تقصير البنطال إلى الخمار ولباس المرأة، ومن النظافة الشخصية إلى الاجتمار[2] إلى أصول ممارسة الجنس مع الزوجة وفق الشريعة الإسلامية. كل شيء يمكن أن يخطر على البال نوقش في صيدنايا.

هذه الدروس والنقاشات كانت تتم بعلمٍ من إدارة السجن، التي لم تكن تتحرك لتوقفها. أذكرُ جيداً ردَّ مدير سجن صيدنايا، علي خير بيك، عندما زارنا في جناح العقوبات (ج يمين)، وطلبتُ منه أن يتم نقلي إلى زنزانة انفرادية، لأن ذلك أفضل بالنسبة لي من البقاء مع السلفيين الجهاديين، وأنا منبوذٌ ومكفّرٌ لأنني أدعو إلى الديمقراطية. قال يومها: «خليك هون أحسن… غيّرهم خليهم يصيروا متلك، أو صير متلهم، أنا ماني فاتح أوتيل هون».

هذه الكلمات كانت كفيلة لترسم مسار حياتي في السجن لمدة خمس سنوات، وتفتح عيني على السياسة التي كان النظام يطبقها في تحويل السجناء إلى تكفيريين داخل السجن. كنا على هذه العملية اسم «السلفنة» من باب التندّر، وهي العملية التي تركّز على الجهاد وجعله الركن الأعظم في إيمان المسلم، مترافقةً مع منهاج عقائدي يتمحور حول آيات الولاء والبراء، جاعلاً من الأحكام الشرعية الواردة في سورتي التوبة والأنفال ناسخةً لكل الأحكام الواردة في التعامل مع أهل الكتاب، من مسالمتهم والعفو عنهم والإعراض والصبر على أذاهم، ومؤكداً على وجوب قتال الكفار والمرتدين «حيث ثقفتموهم»، متنصلاً من أي عهد وذمة لهؤلاء، حتى أن بعض المغالين يقولون إن سورة التوبة قد نسخت مائة ونيف من آيات القرآن الكريم.

أمثلة على «السلفنة»

معتقلو «دعوى الإذاعة» عينةٌ أخرى من السجناء في سجن صيدنايا. هم مجموعة أطفال من مدينة عربين أكبرهم يبلغ 17 عاماً، هاجموا مبنى إذاعة دمشق في العام 2007 بفتوى من شيخٍ كانوا يترددون عليه. أصيبَ عددٌ منهم في الهجوم واعتقلوا، وعندما وصلوا إلى صيدنايا زَجَّت بهم إدارة السجن في مهاجع التكفيريين، في حين كان بإمكانها أن تضعهم لوحدهم. ولقد طلبنا ذات مرة من مدير السجن، علي خير بيك، نقلهم إلى مهجعنا[3] كونهم أطفال ومن الخطر وضعهم مع التكفيريين، فكان جوابه: «اخرسوا وانضبوا… هون مو مريديان حتى نجيب على كيفكم…. ومو انتوا بدكم تعلمونا شغلنا».

أصبح هؤلاء الأطفال بعد سنة من عتاة المتطرفين، ومن المستحيل النقاش معهم، لأنهم لا يتقبلون أي رأي مخالف بعد أن تشربوا التطرف فكراً وممارسة خلال أحداث التمرد في العام 2008. كانت هذه المجموعة رأس حربة في إفشال الاقتحام العسكري للسجن، وكان لهم دور كبير في أسر أكثر من 1200 شرطي من الشرطة العسكرية اقتحموا سجن صيدنايا صباح الخامس من تموز من عام 2008.

باختصار، يمكن القول إنهم كانوا انغماسيي الاستعصاء، ولقد طبق هؤلاء الفتية الخبرات التي تربوا عليها في صيدنايا بعد أن أطلق النظام سراحهم في أعقاب اندلاع الثورة في العام 2011. اليوم، يتزعم هؤلاء الفتية العمل المسلح ضمن «جبهة النصرة» في منطقة حماة وإدلب وريف حلب.

عملاء واختراقات داخل السجن

نديم بالوش هو أحد أكثر السجناء غرابة وتناقضاً. ادّعى الانتماء لتنظيم القاعدة، لكنه لم يقاتل يوماً وليس لديه أي خبرة بالسلاح. اعتُقِلَ بالوش في تركيا بتهمة تشكيل خلية تابعة للقاعدة وتفجير كنيس يهودي في إسطنبول في العام 2001 بالاشتراك مع شاب سوري اسمه لؤي السقا، والأخير معتقل في تركيا حتى يومنا هذا.

سُلِّمَ بالوش إلى السلطات السورية عام 2003، حيث اعترف بتشكيل خلية نائمة للقاعدة في مدينة اللاذقية، وزُجَّ معه في المعتقل 3 أشخاص حُكِمَ عليهم بالسجن من 7 إلى 10 سنوات من قبل محكمة أمن الدولة العليا، وهو ما يضع العديد من علامات الاستفهام عليه.

نديم بالوش كان من قادة «التصعيديين»، وهم الفريق الذي رفض التفاوض مع النظام وقتل عدداً كبيراً من الشرطة العسكرية والسجناء أثناء الاستعصاء في صيدنايا عام 2008. سمّى بالوش نفسه أمير التسليح، وكان من أشد المحرّضين على التمرّد وقتال النظام وعدم تسليم السجن أو تسليم السجناء أنفسهم. وعندما قامت قوات النظام بتمشيط السجن، قتلت الجميع إلا نديم وشخصين آخرين.

تعدُّ هذه أهم علامات الاستفهام على الرجل الذي أُطلِقَ في أواخر عام 2010، بدون أن ينهي قضاء محكوميته، إذ قضى سبع سنوات بدلاً من عشر. واللافت أنه بعد العصيان في صيدنايا حُكِمَ على قادة التمرد يومها بالإعدام، بينما لم يحاكم بالوش مرة ثانية.

مع بداية الثورة، شكّلَ بالوش ما عرف بكتيبة «ريح صرصر»، وظهر على شاشات التلفزيون السوري وتلفزيون الدنيا وهو يقوم بتجريب أسلحة كيميائية على الأرانب في مختبر، ويهدد بتسميم مياه نهر السن، شمال محافظة طرطوس على الساحل السوري، وقصف القرى العلوية في الساحل بالسلاح الكيميائي.

اعتقل الجيش الحر بالوش في العام 2012، وعُرِضَ على محكمة شرعية في اللاذقية بتهمة قتل النقيب المنشق عن جيش النظام السوري رياض الأحمد، ثم وضعَ في سجن تابع لجبهة النصرة، ليتم لاحقاً تحريره من قبل «داعش».

بعد أربع سنوات من التخفي والنشاط الجهادي على وسائل التواصل الاجتماعي، تم الإعلان عن انتحار بالوش ربيع العام 2016 في أحد السجون التركية.

الخزان الجهادي

استفاد النظام من هذا الخزان الجهادي بشكل كبير كلما شعر بالخطر، ولعل أحداث نهر البارد في لبنان العام 2007 نموذجٌ على ذلك. كان العمود الفقري لتنظيم «فتح الإسلام» مجموعةً من السجناء الفلسطينيين والسوريين كانوا قد اعتقلوا في العام 2003 لمحاولتهم التسلل إلى الجولان السوري المحتل وضرب أهداف إسرائيلية. عُرِفت هذه القضية في سجن صيدنايا باسم «الدعوى 33»، وكان شاكر العبسي هو زعيم المجموعة. وقد أُخرجت هذه المجموعة من السجن وتوجهت برعاية مخابراتية إلى لبنان، ويبدو أن النظام قد استخدمها إثرَ اتهامه باغتيال رفيق حريري، بهدف الضغط على قوى 14 آذار في لبنان.

لكن استفادة النظام العظمى كانت خلال الثورة السورية، فقد أطلق جميع السجناء الموجودين في سجن صيدنايا من الموقوفين على خلفية تهم جهادية، في محاولة منه لإعادة إنتاج شرعيته أمام العالم، وإظهار الثورة على أنها سلفية تكفيرية. ارتكز إعلام النظام في خطابه على بثّ الخوف من المتظاهرين السلميين بحجة أنهم إرهابيون، ولازمَ هذه التهمة بأنهم طائفيون، وذلك بهدف تصوير نفسه بأنه حامٍ للأقليات، وسعياً منه لدفع الصراع إلى مربع الطائفية.

زادَ على القمع الوحشي للمظاهرات بتحالفه مع إيران وحزب الله والمليشيات الشيعية في العراق، وقتالهم جنباً إلى جنب معه لقمع الثورة السورية. كل هذه أفرزَ مشاعر «سنية»، توقن أنها تتعرض لصراع طائفي قائم على أرض الواقع، الأمر الذي قاد إلى ولادة تنظيمات كجبهة النصرة وغيرها.

المستودع

كان قسمٌ من ضباط المخابرات يطلقون على سجن صيدنايا اسم المستودع، وهو بالفعل مستودعٌ بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مستودعٌ لأناس قدموا الغالي والنفيس في سبيل قضايا آمنوا بها ودفعوا ثمنها سنوات من عمرهم مغيَّبين عن العالم الخارجي، في أقبية وزنازين أقل ما يمكن وصفها به هو أنها كانت كالقبور.

هو مستودعٌ لأشخاص استخدمهم النظام في عملياته وخططه، وعند الانتهاء من استخدامهم زجَّ بهم في السجن بتهم الفساد وإهدار المال العام. وهو مستودعُ الجهاديين الذين صنعهم النظام داخله ثم فتح أبوابه أمامهم على مصراعيها، مطلقاً العنان للمارد الجهادي الذي كان قد اضطهده ونكل به، ثم أخرجه إلى مجتمعٍ يغلي على وقع الثورات العربية، ليقود بعد مدة العمل المسلح ضد النظام، ويتصدر المشهد اليوم.

لكن يبقى أن الاسم المستخدم بين السجناء أنفسهم هو «الأكاديمية»، وهذا الاسم دليلٌ على مدى التغيّر الذي أحدثه هذا السجن في حياة الذين عاشوا فيه خلال الفترة الممتدة من 2003 إلى 2011، حين خرجوا ليقوموا بتطبيق ما تعلموه هناك على أرض الواقع.

دياب سرية

الجمهورية

11 تشرين الثاني 2016

https://www.aljumhuriya.net/ar/36080

 

[1] تداولت كثيرٌ من الوسائل الإعلامية والمنابر دعوة كفتارو إلى الجهاد في العراق آنذاك، من بينها جريدة المستقبل اللبنانية في العدد 1258/ صفحة 17.

[2] الاجتمار هو التطهر من النجاسة باستخدام الحجارة أو التراب عند عدم وجود المياه.

[3] في سجن صيدنايا لا يبقى السجناء دائماً في المهجع نفسه، بل تتم إعادة توزيعهم بشكل دوري، وهكذا فقد كنتُ في مهجعٍ أغلب سجنائه من السلفيين في مرحلة سابقة، ولكن عندما تم اعتقال أطفال دعوى الإذاعة، كنت مع مجموعة من المعارضين غير السلفيين في مهجعٍ آخر، وإليه طلبنا من مدير السجن نقل أولئك الأطفال لكنه رفض ذلك.